الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

شعيب عبد الفتاح يكتب: أدب الاختلاف بين الإمامين الليث ومالك

صدى البلد

الإمام الليث بن سعد هو سيد فقهاء مصر، وإمامها ومرجعها الأول، يُعتبر مفخرة مصر في أواخر القرن الأول للهجرة، إذ كان إمامًا حجَّة ثبتًا في الفقه والحديث، كما كان من سادات أهل زمانه حفظًا وفضلًا وكرمًا، كما اشتهر برفعة القدر وعلو المكانة، فقد أدرك نيفًا وخمسين رجلًا من التابعين ونهل من علمهم وفضلهم الكثير.

اسمه الكامل الليث بن سعد بن عبد الرحمن بن الفهمي، ولد ليلة النصف من شعبان عام (93 هـ) في قرية قلقشندة، من أعمال مركز طوخ بمحافظة القليوبية وتوفى أيضا في ذات الليلة المكرمة .. ليلة النصف من شعبان سنة (175 هـ) بعد أن ملأ الدنيا من حوله، بالخير، والعلم، والمعرفة، وآداب السلوك، وأسباب المحبة، على مدى اثنين وثمانين عاما.

استقل فقه الليث عن فقه أكبر عالمين في عصره وهما الإمام أبو حنيفة في العراق وصديقه الإمام مالك إمام دار الهجرة بالمدينة المنورة ، وكان اختلاف الليث مع مالك في الفقه مثالا للحرص علي الحقيقة، وشجاعة العالم في مواجهة الخطأ وقدرته علي الرجوع إلي الحق.. قال الليث: أحصيت على مالك سبعين مسألة قال فيها برأيه وكلها مخالفة لسُنة الرسول صلى اللـه عليه وسلم وقد اعترف بأنه أخطأ في بعضها، ومن هذه المسائل: أن الجنين يستقر في بطن أمه ثلاث سنوات وهذا مخالف للعقل والعلم والطب.. وليس في الشرع ما يخالف العقل، ورأى مالك هذا يفتح باب الفساد للنساء اللاتي يغيب عنهن الزوج بالطلاق أو الوفاة أو السفر أو لأي سبب آخر.. ولقد تقبل مالك نقد الليث ولم يعد يفتي بهذا.

ومن الاختلافات بين فتوى مالك والليث كان في مسألة الكفاءة في الزواج، فـ«مالك» يعتد بالنسب، فلا يصح لديه زواج القرشي بغير القرشية، أو العربي بغير العربية، أما الليث فالمعول عنده على الإسلام، فكل مسلم كفء لكل مسلمة، والقول بغير ذلك يخالف القرآن «إن أكرمكم عند اللـه أتقاكم» ويخالف الحديث: «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

ومنها أيضا أن الإمام مالك أجاز ضرب المتهم بالسرقة للحصول على اعترافه حماية للأموال، مما يحقق مصلحة عامة هي أولي بالرعاية من مصلحة المضروب! ويتساءل الليث عجبًا عما إذا ثبت أن المتهم بريء ؟! فإن حماية البريء أولى من عقاب المذنب، ولأن يفلت عشرة مذنبين خير من ظلم بريء واحد، ثم إن الضرب في ذاته عقوبة لا يقضي بها إلا بعد ثبوت الجريمة، وإلا فالضارب والآمر بالضرب ومن أفتي بجوازه.. كلهم مسئولون.. كما اختلف الصديقان ـ مالك والليث ـ في حكم الشركاء في القتل.. فذهب مالك إلي قتل جميع الشركاء كالفاعل الأصلي.. وهذا هو القصاص.. أما الليث فرأى أن هذا يخالف روح آيات القصاص، فالمقصود بالقصاص هو الفاعل الأصلي، وعقابه في جريمة القتل هو القتل، أما الشركاء فالحبس مدى الحياة حتى الموت ، ومن أمثلة الاختلاف بينه وبين الإمام مالك قضايا عديدة أخرى مثل: الجمع ليلة المطر – والقضاء بشاهد ويمين – ومؤخر الصداق لا يقبض إلا عند الفراق – وتقديم الصلاة على الخطبة في الاستسقاء

ومن أشهر الاختلافات بين الإمامين الجليلين كان حول عمل أهل المدينة ، الذي يعد حجة عند مالك ويقدمه على الآثار ويقول: إنه عمل متواتر؛ جماعة عن جماعة فهو حجة، لذلك ترك العمل بكثير من الأحاديث لمخالفتها لعمل أهل المدينة، وقد ناقشه الليث حول هذه المسألة في رسالته بشكل واضح ومفصل، فبين له أن الصحابة تفرقوا في الأمصار، فإذا جاء أمر عمل فيه أصحاب رسول الله بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان، ولم يزالوا عليه حتى قبضوا، لم يأمروهم بغيره فلا نراه يجوز لأجناد المسلمين أن يحدثوا اليوم أمرًا لم يعمل به سلفهم من أصحاب رسول الله والتابعين لهم، مع أن أصحاب رسول الله اختلفوا بعد في الفتيا في قضايا كثيرة... ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله... ثم اختلف الذين كانوا من بعدهم فحضرتهم في المدينة وغيرها؛ فإذا كان أهل المدينة اختلفوا فكيف يكون عملهم حجة؟

وحول أدب الاختلاف بين الإمام مالك والإمام الليث يقول الشيخ محمد أبو زهرة : أن ذلك الجدل كان يسوده طلب الحقيقة، لا التعصب للرأي، ولذلك سادته نزاهة القول، ورفق الخطاب، وهدوء النفس؛ لأن شرف الغاية ملأها، فبعد الهوى والغضب والحدة، وجفاء القول يكون حيث يخالط الرأي الهوى، فتختفي بالحقائق وسط زوابع من الأحاسيس المتضاربة، والأهواء المتنازعة، والأثرة التي لا تألف الحق ولا يألفها .