ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

علاء عبد الحسيب يكتب: نهاية «العملاق» !

الخميس 05/سبتمبر/2019 - 09:37 م
صدى البلد
«العزيمة» وحدها كانت كلمة السر في استمرار المعركة لكل هذا الوقت.. لا أتحدث هنا عن إمكانيات ولا عتاد ولا جيوش جرارة.. بل أتحدث عن سر إلهي عظيم ينحني له الجميع خشوعًا وإذلالا.. كان السبب الأوحد في التقدم أمام العدو طوال أربعة أعوام وأربعين يومًا بالتمام والكمال.. تلك المدة الزمنية الفارقة التي استغرقتها هذه المعركة.. 

«العملاق» كان البطل الذي خاض معركته الشرسة مع رأس الأفعى.. لم يكن مؤمنًا بجبروت عدوه .. ولم يضع في حسبانه أنه عدو «غادر» يعشق القتل ويهوى إراقة الدماء.. لم يقتنع أنه "دراكولا" يستلذ بأنين وآلام أسراه ويحلو له صوت الصراخ والبكاء والعويل.. يستمتع بنظرات الهزيمة التي تبدو على وجه الطرف الآخر في المعركة.. كل هذا الجبروت لم يلق «البطل» له بالًا .. بل كان مصّرًا كل الإصرار على أن يخوض هذه المعركة بشموخ وإصرار.. مؤمنًا بأن الاستلام أمام عدوه أول مسمار في نعشه.. وبداية النهاية لـ«عملاق» عاش تاريخًا مشرفًا من الكفاح والصبر والعزيمة .. 

كان مؤمنًا بأن عدوه جبان غاشم يتربص له من الخلف.. يحاربه بأسلحة الخيانة والغدر.. لم يكن مؤمنًا بأن الحرب معه خدعة ودهاء كما يقول أباطرة المعارك والحروب.. وكيف يؤمن بهذه المقولة وهو دائمًا يرى عدوه غير ذي قيمة؟.. كيف يؤمن بذلك وهو ينظر إليه دائمًا بنظرات الاستحقار والاستخفاف والتدني؟.. كيف يلقي له بالًا وهو لم يضعه في الاعتباره؟ .. بل كان يراه مجرد "نملة" عالقة في فرو وحش ضخم.. 

كان يشبه دائما عدوه بالذبابة التي وقفت علي نخلة.. فقالت لها "استمسكي فإني نويت الإقلاع".. لم ير عدوه كما كان يراه من هم حوله قاهرًا للرجال ومنهكًا للأبدان.. يقف أمامه الكثير مذلولين منكسرين.. يترقبون مصيرهم بتأهب شديد.. يطاردهم هاجس "هادم اللذات" في كل لحظة وفي كل مكان.. يتشبثون أمامه بالحياة كما تتشبث رتوش الخشب في قطعة صوف.. 

إنه السرطان .. القاتل الصامت والعدو الجبان في معركة الحياة.. رفع الكثير في وجهه راية الانتصار.. وضرب الكثير من ضحاياه أروع الأمثلة في الإصرار والصبر والعزيمة.. كان هذا «العملاق» على رأس المنتصرين في معركته مع هذا العدو طوال أربعة أعوام.. كنت قريبًا جدًا من هذا البطل وهو يصارع هذا الإخطبوط الأسود.. لم أشاهد في عينيه نظرة انكسار واحدة .. كنت أتعجب من كل هذه القوة التي تجعله يتمالك نفسه أمام سخافات هذا المرض اللعين.. كنت اسأل نفسي دائمًا.. ألا يفكر هذا العظيم في الموت؟ .. ألم يأته شعور بالنهاية؟.. ألم يكن خائفًا مرعوبا من هادم اللذات؟.. 

أسئلة كثيرة كانت تدور في ذهني لم أجد لها إجابة سوى التعجب والصمت .. كنت أشاهده فقط وهو يقف شامخًا أمام عدوه الخبيث.. كنت أعتقد أن شعورًا صعبًا سينتاب هذا «العملاق» قريبا عندما يكتشف إنه مريض بالسرطان.. تخيلت أن شريطًا من الذكريات الجميلة التي عاشها طوال حياته سيسترجعها في أقل من ستين ثانية وأنا أجلس بجواره علي منضدة الطبيب.. توقعت أنه سيردد أمامي مليون «لو» فور علمه بخبر إصابته بالسرطان.. 

ماذا لو عاد به الزمن إلى ما قبل مرضه؟.. ماذا لو لم يكتشف مرضه في هذه الفترة؟.. ماذا لو أجّل القدر إصابته بهذا المرض اللعين؟.. ماذا لو أخبره الطبيب بأنه معافى صحيح؟.. لكني اكتشفت أن توقعاتي كلها من وحي خيالي.. فقد وجدته رافعًا الهامة.. لا يلتفت إلى زئير هذا القاتل الصامت الذي كان يهز أنحاء جسده.. عاش حياته دون أن يهتم بنظرات الرأفة التي كانت تكسو وجوه محبيه والمقربين منه .. وأنا واحد منهم.. 

قرر «العملاق» أن يطرق أبواب الأطباء.. كنت أقرأ في عينيه دائما عدم اقتناعه بعلاجهم.. غير مهتم بنصائحهم.. غير عامل لقراراتهم الثقيلة علي قلبه.. وبروتوكولاتهم غير المستحبة.. فكيف لإنسان كان يعيش حياته طبيعيًا يأكل ويشرب كل ما لذ وطاب.. يمارس نشاطاته دون عائق.. يذهب ويعود إلى عمله باستمتاع.. أن يصبح أسيرًا لأوامر أصحاب البالطو الأبيض؟.. وكيف يصبح بأمر الطبيب طريحا للفراش.. منغرسًا بين حقائب الأدوية والعقاقير؟.. كيف يُسجن هذا البطل داخل غرفة دون عمل وهو لم يعرف للكسل طريقًا طوال حياته؟.. كيف ينام هذا الأسطورة ومقلتاه تكرهان الانكسار طويلا أمام هفوات النوم؟.

طالت المعركة مع هذا اللعين حتى استمرت قرابة الـ 1500 يوم.. كنت أنا فقط التي أراها بمثابة 1500 عدو أمامي.. أشاهده وهو يطوي تحت قدميه اليوم تلو الآخر بشموخ وعزة.. تلك الفترة التي قضاها هذا «البطل» بين أحضان المستشفيات.. عاشها وكأنه شاب في رعيان شبابه.. مقبل على الحياة لا يخشى الموت.. غير متمرد على قضاء الله وقدره.. لم يُهزم من جلسات الكيماوي التي تلقاها جسده الضخم داخل العنابر.. ولم يرفع راية الاستسلام أمام أشعة الماسح الذري «المميت» الذي استقبلها بأقسام الأشعة .. بل قرر أن يواجه عدوه دون أي تنازلات.. حتى جاءت اللحظة الصادمة التي لم أكن أتوقعها.. 

«كلمة» من طبيب جاهل كتبت نهاية حزينة لمعركة الدنيا.. كلمة رسمت خريطة الخروج المؤسف لـ«بطل» لا يستحق سوى الفوز في معركته الأبدية.. عملاق خاض بشموخ معركة ضارية مع عدو جبان يعشق الغدر ويهوى الخيانة.. فقد أخبره الطبيب بأنه في المرحلة الأخيرة من مرضه.. كانت هذه الجملة هي التي كتبت نهاية حياة هذا البطل.. طبيب جاهل برسالته السامية لم يتعلم أن الكلمة الطيبة لمريض يمكنها أن تحل محل ألف علاج .. لم يتعلم أن المريض في أمس الحاجة إلى كلمة طمأنينة ولو كان علي مشارف الموت.. لم يتعلم أن كلمته كتبت نهاية حياة "عملاق" في غضون أيام..