ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

أسماء جبريل تكتب: فوت علينا بكرة

الأربعاء 25/سبتمبر/2019 - 05:49 م
صدى البلد
Advertisements
"نحن فاروق الأول ملك مصر, قررنا بناءً على القوانين السابقة وما عرض علينا من وزير المالية ومجلس الوزراء إنشاء هيئة ديوان الموظفين,هيئة قائمة بذاتها"..العبارة السابقة جاءت فى النشرة التشريعية التى وضعت على أحد الأرفف بقاعة الأمم المتحدة بدار الكتب, والتى يعود تاريخ إصدارها إلى بداية عام 1952, وقد جاء المرسوم الملكى بإنشاء ديوان الموظفين الذى أسس لإنشاء أول هيئة قائمة بذاتها فى مصر لرعاية الجهاز الإدارى للدولة.

عقب ثورة 23 يوليو ازدادت الحاجة لديوان الموظفين بسبب المشروعات الطموحة, وعمليات التأميم الضخمة, مما أدى إلى صدور عدد من القرارات التنظيمية الجديدة, واعتماد الرئيس جمال عبد الناصر استراتيجية قومية تنموية, تعتمد بشكل أساسى على الإدارة فى دفع عجلة الإنتاج, أدى ذلك إلى مزيد من التعقيدات والبيروقراطية فى أدائه, بالإضافة إلى الموارد البشرية التى تراجعت فى مستواها, نتيجة لالتزام الدولة بتعيين خريجى الجامعات المصرية, بدلًا من الاختيار من بينهم على أساس الكفاءة والاختصاصات والمهارات التى تحتاجها الدولة, وبناءً عليه بدأ الجهاز الإدارى للدولة فى التضخم.

"فوت علينا بكرة"..العبارة الأشهر التى ارتبطت بالجهاز الإدارى للدولة منذ صدور المرسوم الملكي, حتى وقتنا الحالى, فعلى مدى 65عامًا من ضلوع طبقة الموظفين فى تقديم الخدمة العامة للجمهور,من استخراج الأوراق الثبوتية, وإنهاء أوراق السفر والإقامة ومنح الجنسية داخل البلاد, وحتى تسجيل براءة الاختراع, وإيجاز إقامة المشروعات, اتسم الجهاز الإدارى فى مصر بالبيروقراطية الشديدة التى أدت إلى تعطيل مصالح المواطنين, وزيادة الشكاوى ضد الجهاز الإدارى للدولة.

إن مشكلة الروتين في المصالح الحكومية, والبيروقراطية في الجهاز الإدارى للدولة, قضية قديمة ومعقدة ومتشابكة ولها أبعاد كثيرة, وفيها الكثير من الإجراءات المعقدة, التي تعطل سير العمل في أجهزة الدولة المختلفة, والتي تعيق بالفعل عملية الاستثمار, نتيجة الكثير من المراحل التي يجب أن يمر بها المستثمر,وكذلك كثرة التعاملات الورقية في اجهزة الدولة المختلفة, مما ترتب عليه وجود عمالة مكدسة في المكاتب, بالرغم من أن الوظيفة نفسها, لا تستدعي هذا الكم من الموظفين لإنجازها, كما لا يوجد تنسيق بين الجهات الحكومية والوزارات المختلفة, لإنجاز الأعمال المشتركة بينهم مما يتسبب في تعطيل الأعمال أيضا: وكذلك الأجهزة الحكومية, تفتقد لوجود إدارة موارد بشرية, أو رقابة على العاملين من أجهزة الدولة, فضلًا عن عدم محاسبتهم ماديًا وفقًا لقدرتهم الإنتاجية, بالإضافة إلى سوء اختيارات القيادات, فالأمر متعلق بالأقدمية وليس بالكفاءة, كما أنه ليس هناك تخصص, أى لا يتم التعيين في الوظيفة وفقًا لتخصصه فيها, بينما التعيين يتم بالتكليف, وربما "مجاملة". ومن المعروف أن تقدم الدول قائم على عاملين أساسيين, هما التخصص وتقسيم العمل, ومصر تفتقد العنصرين, فلا يوجد من يعمل في تخصصه, ولا يتم تقسيم العمل بالشكل الذي يجعل الفرد في مكانه السليم للاستفادة منه.

إن مشكلة البيروقراطية في مصر متشابكة بشكل كبير, مما يحتم وجود خطوات واضحة ومحددة لحلها, فالقضاء على البيروقراطية يستوجب وجود حكومة إلكترونية, أى أن تتم كل الخدمات الحكومية أو القدر الأكبر منها, بشكل إلكتروني, مع تخفيف التعامل بين الأفراد والتعامل مع الموظفين, إلى أقل حد ممكن, أما عن العمالة الزائدة التي تنتج عن هذه الميكنة, فيمكن تحويلهم إلى القطاعات التي تحتاج الى عمالة, وإعطائهم دورات تدريبية في مجالهم الجديد, إلى أنه يجب على الدولة تحديد أولوياتها وأهدافها, وهل ما إذا كانت تريد دفع الرواتب للموظفين كإعانة اجتماعية, أم أنها تريد أن تحذو حذو الدول المتقدمة وتصبح في مصافهم.
 
الأصل فى التنمية على كافة مستوياتها,انها تحتاج لوسائل لمجابهة الموروث الثقافى, فالموروث الثقافى يعد العائق الأول أمام كافة المشاريع التنموية فى البلدان النامية, وهذه الحقيقة يدركها كل عضو من أعضاء الجهاز البيوقراطي المصرى سواء على نحو مباشر, أو بصورة ضمنية, وهنا يقع على عاتق النخبة المثقفة توحيد أهدافها فى المرحلة القادمة من أجل خلق حالة تجمع أيديولوجية يلتف حولها أبناء الشعب, ويكون لدى النخبة المثقفة رؤية سياسية وطنية حقيقية تقدمها للجماهير, تلك المنظمة كانت تحتاج الى زمن طويل لإنجازها .

جسدت السينما المصرية البيروقراطية في العديد من المشاهد, أشهرهم فيلم "عسل أسود " عندما أراد الفنان أحمد حلمي الذى كان يدعى "المصرى" في الفيلم, استخراج شهادة للرقم القومي, فذهب الى السجل ووقف في الطابور عدة مرات لكى لا يدفع رشوة للموظف, فقام الموظف بتأخيره ومعاملته معاملة سيئة, وإرساله إلى عدة جهات مجهولة وروتينية, لكى يقف في عدة طوابير طويلة ومرهقة, للضغط عليه بشكل أو بأخر لكى يشترك معه فى عملية الرشوة لاستخلاص أوراقه, كما يقال من تحت الترابيزه... من منا تعرض لهذا الموقف مرات عدة؟! من منا عاني بسبب كثرة الأوراق الروتينية والإجراءات التي ربما نقول تعجيزية بسبب جمود فكر الأشخاص الموظفين؟! من منا تسببت البيروقراطية في ضياع وإهدار وقته وتسببت له في الكسل عن المشي في إجراءات مشروع ما؟! بما إن معظمنا شرب من نفس الكأس, فيجب أن نقف مكتوفي الأيدى للقضاء على هذه الظاهرة المريضة ...عاشت مصرنا الحبيبة.

Advertisements
AdvertisementS