حي الإفرنج .. كيف عاشت الجاليات الأجنبية في بورسعيد قبل وبعد العدوان الثلاثي
ظلت بورسعيد على مدار السنين والعقود رمزا للصمود منذ إنشائها بالتزامن مع حفر قناة السويس ومع مرور العقود واختلاف الانظمة توافد على بورسعيد الباسلة العديد من الجاليات الاجنبية المختلفة والتى استوطن البعض بعها واتخذها موطن بديل له عن موطنه الاصلى والبعض الاخر توافد اليها لممارسة نشاط التجارة عبر الممر الملاحى الاهم فى العالم و البعض الاخير توافد اليها مع غزوات وغارات المحتلين و المتربصين بالوطن.
واتخذت الجاليات الاجنبية من حى الشرق بمحافظة بورسعيد موطن لها لقربه من الميناء ومجرى قناة السويس والذى عرف قديما حى الافرنج نسبة الى الفرنجة كما اطلق عليه البورسعيدية او نسبة الى الافرنجيين او الاجنبين
ويعتبرالشارع الطويل المطل على الميناء ( شارع السلطان حسين ) فلسطين حاليا أفضل ما يحكى أكثر من غيره عن حقائق ووقائع الحياة الأجنبية فى تاريخ مدينة بورسعيد ومثيل عن وقائع الحياة الأجنبية فيها فيتمتع هذا الشارع بعدة علامات هامة توضح لكل من يعبر القناة داخلا الميناء عن وضع المدينة وصفتها الأوربية بشكل واضح بين حدوده الشمالية والجنوبية.
فكان الشارع يضم نصب تمثال فرديناند ديليسبس المشهور بوضع يده اليمنى بشكل ترحيبى للدخول الى الميناء على مدخل ميناء بورسعيد فى بداية القناة وامتداد رصيفى بشكل حاجز أمواج الى داخل البحر الأبيض المتوسط لمسافة عدة كيلومترات وهو المتبقى منه قاعدته حاليا كمزار سياحى بعد نسف فدائيو بورسعيد التمثال عام 1956 وقت التصدى للعدوان الثلاثى الغاشم .
كما ضم الشارع مبنى فندق وكازينو بالاس ذات الهندسة الأوربية الشهيرة والنصب التذكارى لجنود الوحدات الأسترالية الراكبة فى حدائق كازينو بالاس ومبنى النادى الأيطالى الملاصق للحديقة ومبنى قصر القنصلية الأمريكية المشابه تقريبا لمبنى البيت الأبيض فى واشنطون و الذى هدم بداية العام الحالى بقرار ازالة من الحكم المحلى
أما الصالة الخارجية و"الــفراندة" في كازينو بالاس علي شارع الكورنيش ، بمواجهة رصيف وتمثال ديليسبس فكان ممتليء بالزوار الأجانب و"المصريين من المستوي الأجتماعي المرتفع".
وكانت الموسيقي والرقص الأوربي والحياة الأوربية تسيطر علي جو المنطقة بشكل شامل تميزت أيام نهاية ألأسبوع بالأزدحام الكبير في هذه الصالة وتجمع المتفرجين علي الأرصفة لمشاهدة كفاءة الراقصين ومنهم المصريين كما كانت تعقد مسابقات بشكل أسبوعي هناك .
وضم الشارع مبنى الفنار التاريخى العالمى و القابع فى مكانه كاثر حتى يومنا هذا ومبنى السوق التجاري الضخم سيمون ارزت SIMON ARZT باعلانه النيون الضخم الكبير و الذى يجرى تجديده وترميمه هذا العام بتنسق من محافظة بورسعيد و الشركة القابضة للسياحة .
أما نهاية الشارع من ناحية الجنوب فكانت يحدها المبنى التاريخى لبوليس الميناء وكان يحوى السجن السياسى سابقا ايام الملك فاروق وفؤاد و الذى ظهر فى العديد من الافلام المصرية لعظماء الفن فاتن حمامة و عمر الشريف ومنها المشبوه للفنان القدير عادل أمام و الراحل فاروق الفيشاوى و فيلم ابو العربى للفنان هانى رمزى .
ويضم الشارع مرسى المعدية البسيط ثم مبنى ادارة القناة ( التاريخى ) الأبيض الضخم بقبته اللازوردية الشهيرة و الذى يعتبر من أهم المبانى الملاحية العالمية ذات الطراز الفريد .
ووخلال فترة تواجد الجاليات الاجنبية علت اسطح البنايات المواجهة لمجرى قناة السويس الملاحى اعلانات النيون التسويقية الضخمة على جميع اسطح البنايات على هذا الشارع بمواجهة الميناء والتى تعلن عن اصناف الويسكى المختلفة وخاصة الاعلانين الكبيرين عن ماركتين جونى ووكر وبلاك أند وايت وعن سجاير لاكى سترايك بالأضافة الى اعلانات شركة شل وكالتكس وكانت هذه المبانى لا تتجاوز فى ارتفاعها الثلاثة ادوار وكان يتواجد فيها الكثير من مراكز الشركات الأجنبية .
وخلال تلك الحقبات الزمنية نجح بعض افراد تلك الجاليات فى امتلاك بعض المنشأت الهامة على المجرى الملاحى للقناة ومنها مبنى السوق التجاري الضخم سيمون ارزت وامتلكها عائلة يهودي ومحلات أسواق أوروزدى بك ومحلات واسواق تجارة يملكها الهنود واليهود واليونانيون والأيطاليون مؤسسات فى قبضة رأس المال الأجنبى ومنها بنك باركليز و البنك العثمانى ، بنك كريديت ليونيز و البنك البريطانى .
هذا بالاضافة الى بيوت التوكيلات الملاحية وخطوط الملاحة والبواخر العالمية ومنها هول بلايث و بريتش كول ، لامبرت بروز ، اخوان كورى، وست انديا ، هونجكونج ، امبيريال ، بريتانيك ،كولونيال ، استراليان ، المساجيرى مارتيم ، وليونيز ، باريس ماريتيم أوفر سيز ، لويد و وبيت صيدناوى .
وشغلت الجاليات الأجانب من الأنجليز والفرنسيين والأيطاليين واليونانيين خلال تواجدهم فى اقامتهم فى بورسعيد العمل بمراكز الوظائف الرئيسية الهامة والأدارية بفروع من شركة المقاولات والتطهير وعمليات تموين السفن والرباط والأنوار الكاشفة والنقل والهندسة والأعمال البحرية ومكاتب من شبكة الأحتكارات العالمية الواسعة التى تغطى أرض وبحار المستعمرات فكان يتم استدعائهم من مراكز شركاتهم فى أوربا بحجة عدم كفائة المصريين بتفهم العمل والقيام بمسؤليته علاوة على أن الكثير منهم كانوا من الجيل الثالث لمجموعات من الأجانب التى تدفقت على مصر أيام الأمتيازات الأجنبية والحماية وصندوق الدين فى عصر اسماعيل وسعيد والملك فؤاد.
ورغم كل ظروف هذه السيطرة القاسية على الوطنيون المحليون فقد تمكنت مجموعة محدودة صغيرة من الأسر المصرية فى دخول مجالات الاعمال البحرية فى القناة على شكل واسع مشرف وبدأت حياتها فى مقاولات الأنفار وعمال البحر ، والرباط ، بل تمكنت من أن تصل الى مستوى الخدمة العالمى واصبحوا ينافسون الشركات الأجنبية فى مجال الصيانة والخدمات البحرية ايضا بشكل يدعوا لأعتزازنا خوف الشركات الأجنبية .
ويذكر من العائلات المصرية عائلة لهيطة ( أخوة لهيطة ) وعائلة حرك ( إخوان حرك ) وعبدالرحمن لطفى ( شبارة ) وعائلة الصياد وعائلة حمزه ( اخوان حمزة ) وعائلة طيرة وعائلة هدية.
وكانت تجارة الفحم من أكبر نشاط تجارى يتعلق بالميناء وكانت بورسعيد احدى محطات تموين البواخر الهامة فى العالم كله ، وكان رأس المال الأجنبى يسيطر على هذه التجارة التى كانت خدمتها خاضعة للتوكيلات الملاحية التى يسيطر عليها الأجانب.