ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

فدوى عامر تكتب: كيفك إنت.. (5-5)

الخميس 07/نوفمبر/2019 - 12:58 م
صدى البلد
Advertisements
نعم.. كان قد قرر العودة، فأدار محرك سيارته واتخذ طريقَه. لقد أعياهُ التفكير، فالتفكير فيها وفيما حل بهما هو الفعل الوحيد الذي داوم عليه طوال السنوات العشر الماضية. أراد أن يرتاح من كل هذا الألم، ولكن كيف السبيل؟ لو كان يستطيع نسيانها لكان فعل ذلك منذ سنواتٍ مضت ورحم نفسه. فماذا هو بفاعلٍ الآن؟ يبدو أن السبيل الوحيد للطيران خارج شرنقتها هو أن يمد يده فينزع قلبه نزعًا من بين ضلوعه، عله يلتمس حينئذٍ حياة فيطير ليحياها نازفًا. ألابد له أن يشق صدره لينزعها فيموت؟ لو كان لابد له من شق الصدر، إذًا فليشق صدره ويدخلها فيه رغمًا عنها.. فالنزفُ واحدٌ في الحالتين.. غير أنه في الثانية سينزف ليحيا معها ولو لثوانٍ؛ والثواني إلى جوارها حياةٌ كاملة. 

كان قد عاد أدراجه بعد أن كان قد تخطى مفرق الطريق المؤدي إلى حيث تسكن. كان يشعر بالحماقة ولكنه كان متأكدًا أن هذا هو السبيل الوحيد حتى لا يقضي ما تبقى من عمره في ندم وفي تساؤل. كان عليه أن يتعلم من تجربته الماضية.. كان عليه أن يخطو نحوها ويجذبها إليه ليستردها؛ فإطلاقُ السراح ليس دائمًا بالخيارِ المناسب. توقف بسيارته أمام منزلها. كانت الساعة الواحدة إلا عشر دقائق. توجه إلى الأمن واستلم السترة بالفعل وشكر الرجل وذهب ليعاود الجلوس في سيارته. ظل يرقب باب بنايتها وما هي إلا دقائق معدودة حتى خرج الرجل تاركًا نقطته الحصينة ليتحدث في هاتفه المحمول معطيًا كامل ظهره لمدخل البناية، فدلف هو إلى الداخل سريعًا. قفز درجات السلم قفزًا فوجد نفسه أمام منزلها يناجي بابها.

- اهلًا.. معلش اعذرني. اعتذرت عن الشغل النهاردة على آخر لحظة. لسة تعبانة من السفر و...
- أكيد طبعا. أنا متفهم.. للأسف نضارتك مش معايا دلوقتي.. بس قلت فرصة أعدي أطمن عليكي وأشوف يمكن تحبي نشرب قهوة سوا يبقى ياريت.. لو تحبي.
كانت المفاجأة قد شلت تفكيرها، كما كان لرؤيته بالغ الأثر عليها. مازالت تخضع لسلطانه على نفسها، ما زالت لا تستطيع الهروب من دفء ابتسامته التي كانت دائمًا تحتضن مخاوفها فتطمئنها، ولا من عينيه الحانية الآسرة والتي لطالما تسابقت مع شفتيه في طبعِ القبلات الدافئة على صفحةِ وجهها. نظرت له بعينين زائغتين وفمٍ فاغر وهي مازالت غير مصدقة. ابتسم مجددًا وطلب منها أن ترتدي ملابسها وسينتظرها هو في سيارته. قال ذلك وابتسم ثم اختفى.. لم ينتظر منها ردًا تمامًا كمن يصدر الأمر فلا يتوقع إلا تنفيذ ما أمر به. 

كانت تلك هي عادته: الاحتضان والاحتواء دون أي يسلم لها زمام الأمور. يبدو أنه لم يكن أبدًا يثق في قرارتها فكان يتولاها عنها دون أن يلغي وجودها. لم يسعَ يومًا لامتلاكها ولا إلى محو كيانها كما حاول الجميع من قبله. كان يفعل ما يريد بتفهمٍ كامل وحنوٍ بالغ، فلا هو يفرض قوةً زائفةً عليها، ولا هو يشعرها بضعفِها واحتياجِها إليه أكثر من نفسها. لم تصادف مثله قط، ولقد أخبرتها الأيام بقسوتها المعهودة أنه ليس هناك مثله.. قط. فكرت في كل ذلك أثناء سيرها في الممر المؤدي إلى غرفتها. كانت خطواتها غير ثابتة، وقلبها مازال في قدميها، وفكرها غير مستقر: أتعودُ إلى فراشها لتحتمي به منه؟ أم تستسلم وتذهب معه فتحتمي به من نفسها؟ بلغت غرفتها، ونظرت إلى فراشها المبعثر تمامًا مثلها، فجلست على طرفِهِ واضعةً رأسها بين يديها..

ظل قابعًا في سيارته لا يحول عينيه سوى من شرفة غرفتها إلى باب بنايتها. لم يرد الإلحاح عليها بتكرار كلماتٍ جوفاء لا معنى لها، ولا باستجدائها كي تقبل دعوته. فإذا هي لم تر في تمسكه بها وذهابه إليها رغم ما قالته هذا الصباح إلحاحًا كافيًا من جانبه، فلعل في ذلك إشاراتٍ لابد أن يمتثل لها، وقرارًا كونيًّا يجب أن يخضع له. ظل في مكانه حتى بدت له الدقائق دهرًا كاملًا. كان قد اعتاد غيابها في عدم وجودها، ولكن لغيابها وهي أمامه وقعٌ قاتل. بدأت أنامله تنقر المقود نقرًا ثابتًا منتظمًا في توترٍ متصاعدٍ متناغمٍ مع دقات قلبه. ولكنها ما لبثت أن ظهرت.. فانقشعت أماراتُ القلقِ من على ثنايا وجهه، وانبسط جبينُهُ المتغضن، وانفرج ثغرُه بابتسامةٍ خفيفة: ما زال الكون يريد لهما اللقاء..

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية. لم يكن أمامهما الكثيرَ من الوقت إذ لابد لها أن تعود لتصطحب ابنها من مدرسته. ظلا طوال الطريق صامتين إلا من بعض كلمات تبادلانها من باب قطع السكون، حرص فيها على أن يخبرها بالقليل عن نفسه وما فعله في حياته منذ آن رآها آخر مرة. أخبرها عن سفراته المتعددة وعن عمله المستقر، كما تعمد إخبارها عن وحدته التي سمحت له بأن يهب جل وقته للعمل. كان لجلوسها بجواره أثران متناقضان: فها هو يتمتع بدفءِ وجودها المشع، ويتلمس بعينيه يدها اليسرى النائمة إلى جوارها حتى ولو لم يحن الوقت بعد ليعاود احتضانها بيده، ولكنه في نفس الوقت محرومٌ من عينيها، مالكتي شغاف قلبه. تنهد رغمًا عنه: يبدو أن ليس لتعبِهِ ولا لحيرتِهِ معها نهاية.. فهذا هو قدره. 

دلفا معًا إلى داخل مقهىً صغيرٍ هادئ ذي طابعٍ فرنسي كان يعلم مسبقًا أنه لا يقدم سوى المشروبات وبعض الوجبات الخفيفة على أنغام الموسيقى وبعض الأغاني العربية والأجنبية. لم يكن يريد مقهىً كبيرًا مزدحمًا في وقت تناول الغداء.كان يريد أن يأتنس بحضورها دون أن تنغصه روائحُ الطعام، وأصواتُ قرقعةِ الملاعق والأطباق، كما لم يشأ أن يصطحبها لمقهاهما القديم الذي شهد واقعة فراقهما.. لم يكن يريد أن ترخي الذكرى ظلالها عليهما فيغوصان فيها وفي آلامها وتغشي بصيرتهما معًا. يعرف أن ما مضى قد ترك آثاره التي أصبح من الصعب محوها، ولكن فليحتفظا منه فقط بما يجعلهما يتمسكان بالآتي وبالفرصةِ الآنية. كان لابد لهما من بدايةٍ جديدة.. يكفي ما مضى من آلام. 

جلسا قُبالة بعضهما بجوار إحدى النوافذ المطلة على شارعٍ ضيقٍ مهجورٍ إلا من بعض المارة. كانت الشمسُ ساطعةً في كبد السماء وكان الجوُ صحوًا رغم ما قد تم التنبؤ به من موجة صقيع. طلب له ولها قدحي قهوة وطبقًا صغيرًا من حلوى البراونيز التي تحبها وهمس شيئًا في أذن النادل ثم شكره مقدمًا. كانت تتجنب النظر في عينيه، كالطفل الذي ينتظر تأنيب أهله بعد ارتكابه حماقة ما. كان هو مدركًا لما يدور في خُلدِها فتعمد ألا يثيرَ شجون الماضي. يعلم أنها تؤنب نفسها بل وتجلدها على فعلتها منذ أن تركته وحتى اليوم، لن يضيف إلى عذابها.. يكفيهما معًا ما طالهما من عذاب. كانت الموسيقى الهادئة تنساب في المكان فتوقفت فجأة لينساب صوت فيروز مجددًا إلى كيانهما معًا. ترقرقت الدموعُ في عينيها رغمًا عنها فحاولت جاهدةً لملمتها في مقلتيها ولكنها ما لبثت أن انسابت على وجنتيها وهو يردد هامسًا مع الأغنية ملامسًا يدها:
بعدك على بالي.. يا قمر الحلوين
يا زهرة بتشرين.. يا دهبي الغالي
بعدك على بالي.. يا حلو يا مغرور
يا حبق ومنتور.. على سطحي العالي

ظلا مكانهما ساعةً كاملة دون حديثٍ مسموع.. فقط بوح عيون وأيدي تتلمس طريقًا للدفء المفتقد. كان الوقت قد حان لرحيلها، فابتسم وساعدها في ارتداء شالها الذي كانت قد وضعته على ظهر مقعدها. تسرب عبير عطرها ليدغدغ حواسه ويُدثِّر قلبه.. نظرت له ممتنة ثم اتجها سويًا إلى باب المقهى فقام بفتحه وأفسح لها الطريق لتمر. راودته نفس الرغبة القوية في احتضانها مجددًا، كما انتابته في المطار عندما رآها. تمهل قليلًا خلفها يفكر فتنبهت لتأخره عنها. نظرت له بشيءٍ من القلق فإذا به يفرد ذراعه لها متوسلًا. تنازعها الخجل والشوق قليلًا، ولكنها ما لبثت أن استسلمت لهذه الزاوية الرحبة ما بين قلبه وذراعه.. لتستكين فيها من جديد.
AdvertisementS
AdvertisementS