قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

خالد الشناوي يكتب: تجليات الصوفية (٢)


نشأ مصطلح "الحب الإلهي" بمعناه القريب في الحياة الروحية في الإسلام في القرن الثاني الهجري.

وكانت الحياة قبل ذلك يحركها عامل "الخوف" من الله ومن عقابه، وكان "الحسن البصري"(110هـ) أبرز ممثلي هذا الطور في حياة الزهاد والعباد الأوائل، فقد عرف عنه أنه كان يبكي من خوف الله حتى قيل "كأن النار لم تخلق إلا له". ويميل مؤرخو التصوف الإسلامي إلى القول بأن رابعة العدوية (ت 185هـ) هي أول من أخرجت التصوف من الخضوع لعامل "الخوف" إلى الخضوع لعامل "الحب "، وأنها أول من استخدم لفظ "الحب " استخداما صريحا في مناجاتها وأقوالها المنثورة والمنظومة، وعلى يديها ظهرت نظرية "العبادة" من أجل محبة الله ، لامن أجل الخوف من النار أو الطمع في الجنة.

قال أبو طالب المكي ” أن المحبّة أكمل مقامات العارفين … وهي إيثار من الله تعالى لعباده المخلصين.

قال الطوسي إنها هي حال "لعبد نظر بعينه إلى ما أنعم الله به عليه، ونظر بقلبه إلى قرب الله تعالى منه وعنايته به، وحفظه وكلاءته له، فنظر بإيمانه وحقيقة يقينه إلى ما سبق له من الله تعالى من العناية والهداية وقديم حب الله له ، فأحب الله عزّ وجلّ.

وبهذا نرى أن السادة الصوفية جعلوا من الحب فلسفةً تحيط بكل شيءٍ في الكون، وتمتد أجنحتها إلى كل أفقٍ في الحياة.

فلسفةٌ تمسح من وجه الكون الكبير قناعة المادي، لتحيل الكون جميعه إلى أرواحٍ حساسةٍ عابدةٍ مسبحةٍ؛ لأنها بالحب خُلقت، وبالحب قامت، وبالحب تسبح وتهتف.

ثم تمشي إلى الأخلاق الإنسانية، فتنفخ فيها من روح الله، وتسمو بها إلى هداه ورضاه.

يقول جلال الدين الرومي، شاعر التصوف الفارسي: «الحب دواء كبريائنا وغرورنا بأنفسنا، وهو الطبيب لضعفنا كله، ومن استعار الحبُّ ثوبَه، برئ أصالة من كل إثرته".

وعلى قدر محبة الصوفي لربه، تكون محبته لعباده ولكونه، بكل ما فيه، وبكل ما ينطوي عليه.

والحب الإلهي يضفي على الكون الجمال المطلق: الله نور السموات والأرض، ويضفي على أحداث الحياة الرضا، فكل شيءٍ جميلٍ؛ لأنه من قضاء الله، ومن إرادته، وقضاء الحبيب حبيبٌ.

والحب كما يقول الصوفية: «هو سكر المشاهدة، وشجاعة الباذل، وإيمان الولي، والأصل الأصيل للتحقق الخلقي، والإدراك الروحي، هو نبذ النفس وتضحيتها، والتخلي عن كل مملوكٍ من مالٍ أو جاهٍ، أو إرادةٍ أو حياةٍ، وعن كل ما يضنُّ به الناس، لوجه المحبوب، دون تفكيرٍ في جزاءٍ».

والحب الإلهي هو المصدر الحقيقي الذي استمدت منه الموجودات وجودها، وهو سبيل المعرفة العليا، فإذا فنيت النفس عن أوصافها بالحب، انكشفت لها الأسرار، ورفعت عنها الأستار.

يقول المستشرق جولد زيهر: «فمحبة الله هي إذن خلاصة ما انتهى إليه هذا المجهود المركَّز الذي بذلته أرواح الصوفيين، لكي يفنى خيال الوجود الشخصي في حقيقة الكائن الإلهي، الشاملة لكل شيءٍ، وقد أنتجت هذه الفكرة في كافة لغات الأمم الإسلامية الراقية أدبًا شعريًّا يعد في مرتبة الدرر الفريدة في الأدب العالمي، وهذه الفكرة العامة كانت أساسًا فلسفيًّا كافيًا لأن يدعم حياة النسك والتصوف».

والحب الإلهي ليس شرعةً عامةً للناس جميعًا، إنما هو هبة الله للصفوة المختارة، التي سبق له منها الحسنى.

قيل لمعروف الكرخي: «أخبرنا عن المحبة أي شيءٍ هي؟ قال: يا أخي ليس المحبة من تعليم الناس، المحبة من تعليم الحبيب».