< الجار الايراني والوسيط القطري ..!
صدى البلد
رئيس التحرير

الجار الايراني والوسيط القطري ..!

 

دأب نظام الملالي الايراني على الحديث عن حسن الجوار ورغبته في بناء علاقات "طبيعية" مع دول الجوار الخليجي، لدرجة انني أرشحه لنيل جائزة أكثر أنظمة العالم إعراباً عن رغبتها في تحسين علاقاتها الاقليمية، ولكن المؤكد أن الأمر لا يتوقف على التصريحات ولا يرتبط بالكلام "المباح" بل يبقى مرهوناً بالأفعال لا بالأقوال، ولذا لا استغرب أن تمضي كل هذه العقود والسنوات منذ قيام ثورة الخميني عام 1979 من دون أن تشهد علاقات نظام الملالي مع "معظم" جواره الخليجي، أي تحسن ولو بطىء أو بسيط، بل على العكس من ذلك تماماً فإن هذه العلاقات تشهد توتراً متزايداً بسبب سير الملالي في اتجاه عكس الذي يعلنونه تماماً!

أما دولة قطر، التي تطرح نفسها في كل أزمة اقليمية وسيطاً، ودأبت على لعب هذا الدور مراراً وتكراراً، فقد تحدث وزير خارجيتها الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مؤخراً عن أن "إيران جارنا القريب والعلاقات الطيبة معها أمر مهم ويهمنا، ونحن جاهزون أن نلعب دور الوسيط النزيه في مختلف قضايا المنطقة"، وأضاف آل ثاني خلال مشاركته في منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، أنه يمكن حل الخلافات بين إيران ودول الجوار بالحوار المباشر، وقال: "نصيحتنا لإيران ودول الخليج هي دعونا نجلس سويا في حوار إقليمي"، ولاشك أن هذه النصيحة تأتي في وقتها وظروفها تماماً لو أن الطرف الايراني يريد بالفعل العيش في بيئة اقليمية ودولية طبيعية، ولكن الحقيقة أن الملالي اعتادوا خلق الأزمات وتصعيد التوترات في منطقة توجد في الكثير من بقاعها بصمات إيرانية تسببت في نشر الفوضى والاضطرابات واثارة القلاقل والأزمات من دون أن يراجع هذا النظام حساباته، ويتخلى عن مخططاته القائمة على غرس الفتن والمؤامرات والتمدد استراتيجياً عن طريق الأذرع والميلشيات الطائفية المسلحة في الكثير من دول المنطقة.

الحقيقة أن التوتر القائم منذ فترة طويلة بين بعض دول مجلس التعاون ونظام الملالي الايراني معلوم الأسباب والمصادر، وجميعها مرتبط بسلوكيات وممارسات هذا النظام في تهديد الأمن الاقليمي والتورط في خطط ومؤامرات تستهدف التأثير سلباً في استقرار دول "التعاون" وأبرزها دعم وتمويل ميلشيات الحوثي اليمنية وتزويدها بالأسلحة والعتاد ابتداء من محاولة الاستيلاء على الدولة اليمنية لتنفيذ مخطط إيراني لمحاصرة دول مجلس التعاون شمالاً وجنوباً، وهو المخطط الذي باء بالفشل إثر تصدي التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية له منذ بدايات تنفيذه، ومع ذلك فقد استمرار الملالي في دعم "الحوثي" وتزويده بأسلحة وصواريخ يستطيع من خلالها تنفيذ هجمات واعتداءات مرفوضة ضد المنشآت المدنية السعودية.

أما البرهان الأقوى على أن الملالي لا يؤمنون بالحوار سبيلاً لتسوية الأزمات الاقليمية فيتمثل في رفض الاستجابة للدعوات المستمرة الصادرة عن دولة الامارات بشأن تسوية قضية الاحتلال الايراني للجزر الاماراتية الثلاث التي تحتلها إيران (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى)، فالامارات تؤكد دائماً في مختلف المناسبات رغبتها في تسوية هذه القضية سلمياً من خلال التفاوض المباشر مع إيران أو من خلال إحالة القضية إلى التحكيم الدولي، ولكنها لا تجد من الملالي في كل مرة سوى رد واحد يختزل قضية احتلال أراضي الآخرين وانتهاك سيادة إحدى دول جوارهم على أراضيها في مصطلح "سوء فهم"!

يرفض ملالي إيران إذا ويراوغون من أجل تفادي الجلوس على مائدة حوار مباشر لتسوية قضية احتلالهم لجزء من أراضي إحدى دول الجوار، الذي يتشدقون برغبتهم في حل أزماتهم معها، مع أن الحل بسيط والدروب لخلق بيئة طبيعية سهلة وممهدة بمجرد أن يتماهي سلوك الملالي مع أقوالهم، ولكن الحاصل أن بون شاسع يفصل بين هذا وذاك، ولا مؤشرات تذكر على أي نوايا إيرانية لردم الفجوة القائمة بين الأقوال والأفعال. 

أثق شخصياً في أن الدبلوماسية القطرية تعرف جيداً حقيقة نوايا ومواقف الملالي، ولكن هناك علاقات ومصالح وحسابات تحول دون الاقرار بالحقائق، والقفز إلى مقترح الوساطة، رغم أن قطر تدرك أيضاً حقيقة نظرة النظام الايراني لدول الجوار، وأن هذا النظام لن يتخلى عن سلوكيات العربدة الاقليمية لأنها تمثل بالنسبة له ورقة ضغط قوية التأثير في إطار لعبة المقايضة الجارية على قدم وساق في فيينا بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد. . ولذا كنت أتمنى أن تركز الدبلوماسية القطرية على اقناع "الأصدقاء" في طهران بتقديم بادرة حسن نية تجاه دول مجلس التعاون، سواء بوقف التدخل العسكري المباشر وغير المباشر لدعم الحوثيين في اليمن، أو بالكف عن الزج بدول التعاون في التراشق والحرب الكلامية الدائرة بين الملالي واسرائيل، أو بوقف التهديد باستهداف المصالح الأمريكية في دول مجلس التعاون كلما لاحت في الأفق نذر توترات عسكرية بين الجانبين... الخ، وقائمة الاشارات تطول في حال رغبة الملالي إحداث تغيير حقيقي في سلوكهم وإظهار حسن نواياهم، ولكن قناعتي أن الملالي يريدون ابقاء أمن المنطقة بأكملها رهن التوصل إلى حلول لقضاياهم وأزماتهم المزمنة مع الغرب.