صدى البلد
رئيس التحرير

ذكرى ميلاد تيمور باشا.. رفض مصاهرة السلطان حسين ومات بجوار مكتبته| نوستالجيا

أحمد تيمور باشا
أحمد تيمور باشا

خلال عام 1930 وبعد أن توفى الأديب أحمد تيمور باشا، كتب المؤرخ والكاتب خير الدين الزركلي بمجلة المقتطف مقالا يتحدث خلاله عن تيمور باشا، خاصة أنه من الأشخاص القليلين الذين اقتربوا منه خلال حياته، إذ تتبع خلاله مشوار الراحل والمحطات التي صادفته خلال حياته.


بدأ الزركلي مقاله يتحدث عن الأسرة التيمورية في مصر، وهي كردية الأصل، قدم جدها الأول تيمور بن محمد بن إسماعيل بن علي كرد، من الموصل، في عهد محمد علي باشا الكبير، واتصل به اتصالاً وثيقًا، فكان من قادة جنده ومن كبار ولاته. 

وفي عهد الخديو إسماعيل عرف إسماعيل تيمور باشا بن محمد بن تيمور، فولاه رئاسة الديوان الخديوي وكان من خاصة صاحب الأمر بمصر، وقبل وفاة إسماعيل تيمور باشا، بنحو مائة يوم، ولد له نابغة التيموريين «أحمد»، فهو أحمد بن إسماعيل بن محمد بن تيمور بن محمد بن إسماعيل بن علی کرد وقد نشأ أحمد يتيمًا، وقد ربته أخته الشاعرة الأديبة عائشة عصمت، وزوجها محمد بك توفيق، وقد أدخلاه مدرسة «مرسيل» الفرنسية، فمكث فيها بضع سنين. إلى أن أصبحت مدرسته بعد ذلك داره؛ تلقى فيها مبادىء النحو والصرف والفقه والمنطق وما كان يقرئه الشيوخ في ذلك العصر، فدراسته أشبه بدراسة الأزهريين اليوم، وانتهت به هذه الطريق إلى التعرف بشيوخ الأدب العربي وأكابر علمائه من معاصريه، فبعد أن تأدب على يدي الشيخ رضوان بن محمد المخللاتي، ناشئًا، وبعد أن لازم الشيخ الطويل زمناً، تعرف بإمام أهل اللغة الشيخ محمد محمود التركزي الشنقيطي، ومفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده، والعلامة الشيخ طاهر الجزائري، فأخذ عنهم واستفاد منهم، واتسعت دائرة جلاسه فكان بيته مجمعاً لأهل العلم والأدب من المصريين ونزلاء مصر. وقد تعلم التركية وشيئاً من الفارسية فكان يستعين بهما على الرجوع إلى بعض كتبها فيما يحتاج إليه من تحقيق كلة لغوية أو واقعة تاريخية، ولم أره في اجتماعاتي به رحمه الله يكثر من معاودة المصادر الافرنسية مع معرفته بهذه اللغة واقتنائه بعض القيم من كتبها وانصرفت عزيمته في بدء شبابه إلى جمع نفائس الكتب، ثم كانت تحمل إليه مخطوطاتها من الأستانة والمغرب والحجاز واليمن والشام والعراق، وازداد غرامه بها فلم يكن يتصل به نبأ كتاب غريب في الأدب أو اللغة أو التاريخ إلا أسرع لشرائه أو استنساخه أو نقله بالفوطوغراف.

الخزانة التيمورية

يضيف الزركلي بأنه قد استحضر بالطريقة الأخيرة مجموعة نادرة من محفوظات الخزائن الكبرى في باريس وروما وفينا والأستانة وغيرها، وقد اطلعت على بعضها عنده، فقد تألفت مكتبته التي تعد بقيمتها العلمية من نظائر دار الكتب المصرية في القاهرة والمكتبة الظاهرية في دمشق، بل ربما كان في الخزانة التيمورية ما ليس في هاتين وأمثالها من خزائن الشرق العربية. وليس في القول إنها احتوت على خمسة عشر ألف كتاب أو أكثر كبير فائدة في الدلالة على قيمتها لأن الكتب تقوم بنفاستها لا بعددها، وما اقتصرت همته على اختيار الكتب وجمعها، كما هو دأب الكثيرين، بل أودعها من علمه وتحقيقه أثراً خالداً، فأثبت في كل كتاب طالعه منها، وما أكثر ماطالع منها، تعليقات وتنبيهات لو جمعت، لكانت كتاباً جليلا هو في حسباني من أفضل ما يدل على مبلغ كاتبها من علم بأدب العربية وتاريخ الأمم والحضارات الإسلامية وكان على ما بين أسرته والبيت المالك، من اتصال قديم، بعيداً عن حب المنصب، زاهداً في كراسي الدواوين، وقد وجهت إليه رتبة «باشا» وعين عضواً في مجلس الشيوخ، إلى أن استقال في العام نفسه من المجلس.

متون اللغة العربية

لم يرفض تيمور باشا أيًا من المناصب التي يمكن من خلاله أن يساهم في خدمة اللغة العربية، إذ كان يقبل عليها مسروراً، منشرح الصدر، فاختير عضواً في مجلس ادارة دار الآثار العربية، وعضواً في المجمع العلمي المصري وعضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق، وقد أفاد دار الكتب بتوليه النظر في كثير مما طبعته الأجزاء التي صدرت في السنين الاخيرة من كتاب «االأغاني» إذ كانت تعرض عليه صفحاتها قبل طبعها، وأمد المجمعين العلميين بكثير من ثمار تنقيبه في متون اللغة والأدب.


وفي مجلة المجمع العلمي العربي من رسائله ومقالاته نموذج عال من اتساع اطلاعه ودقة تحقيقه، نشر مثله في كثير من المجلات والصحف كالزهراء والمقتبس وغيرها فالمرحوم أحمد تيمور باشا كان أديباً، عالماً بمادة لغته، قديراً على حل مشكلاتها، محققاً لأصولها، واسع الاطلاع على تاريخي العرب و الإسلام، كثير العناية بآثارها وكان من أخص صفاته في البحث والتأليف أنه لا يصنف الكتاب لشهوة التصنيف ولا يكتب ليقال كتب تيمور، وإنما يجمع الغريب مع أشباهه، ويضم الشاردة إلى نظيراتها وبصيد طرف الموضوع فيقيده في أوراقه، ويترك ذلك كله للزمن، ثم يعاوده كلما سنحت.


محطات من حياته

يتحدث الزركلي عن كرمه وعطاياه إذ يقول: لم أسمعه – وقد جالسته كثيراً – يشير إلى بحث كتبه أو رأي نشره أو کتاب ألفه. وكنت أحب منه الكرم بما يعلم، جعلت لنفسي يوماً في الأسبوع أزوره فيه، فأمكث ساعتين أو ثلاثاً، أراجع كتباً أو استوفى موضوعاً، فما عرف قصدي حتى كان أسرع مني إلى ما أريد، يهديني إلى المرجع، وإذا لم يكن الخادم جاءني هو بالكتاب، وما زلت أذكر له إلقاءه بين يدي مذكراته يوم بدا له إنني أبحث عن تراجم المتأخرين، وقد عاصر بعضهم وبادلهم الترجمة على طريقة علماء السلف، فكانت لي منها فوائد كثيرة لو التمست لها وسيلة أخرى لأعياني تطلبها، وكثيرا ما رأيته ينقل بخطه صفحات من مذكراته أو كتبه ويرسلها إلى مستعلم أو سائل. 

فما عاش تيمور لنفسه ولا لبلده، وإنما عاش للعلم ولكل عالم ومتعلم يكاتبه أو يستعين به وقد كان معونا في الخير، فقد رويت لي عنه أخبار من هذا النوع، منها وضعه ورقة بمائة جنيه في جيب رجل علم أنه في اضطرار إليها، ولما افترقا ورأى الرجل ما أبقته يد تيمور أسرع إليه يريد إعادتها، فأجابه بحزم أنه لا يحب أن يسمع منه أو عن لسانه كلمة بشأنها. 

وآخر ما نقل إلي أنه في الليلة التي توفي بها كان يفكر في أن يضع عن مستأجري بعض أطيانه شيئاً مما عليهم له، يخفف به ما مسهم من أزمة القطن.


عاش بقية عمره منفرداً، وأراد المرحوم السلطان حسين أن يصاهره فيزوجه بابنة له، فغلب حبه لأولاده على حبه لنفسه، وتوفيت أخته المربية له ووالدته، في نصف شهر واحد من سنة ١٣٢٠ ھ ١٩٠٢م، فكان لفقدها اثر كبير في نفسه اشتد بفقده أحد أبنائه المرحوم  محمد بك، وأصيب بمرض في القلب كانت تعاوده نوباته إلى أن توفاه الله به في جوار مكتبته بالقاهرة.