صدى البلد
رئيس التحرير

من آن لآخر

عبد الرازق توفيق
عبد الرازق توفيق

بعض الرومانسيين فى الإعلام والسياسة والفكر يُصَدِّرُون لنا دعوات لا تُمت للواقع بصلة.. ولا تحمى وطناً يواجه أخطر التحديات والتهديدات من كل حدبٍ وصوب.. يلعبون بالنار فى مناطق غاية فى الحساسية.. ربما تضر بالوحدة والتماسك والاصطفاف.. وعندما نتحدث بوعى رجال الدولة الحريصين على سلامة الوطن.. يصادرون إرادتنا ويعتبرون إجراءات الدولة ومؤسساتها عودة وردة للوراء.. فمن حق الدولة أن تحمى أمنها وسلامة شعبها.. خاصة فى ظل هذا العصر.. فالدولة المدنية لا تعنى التخلى عن الهوية أو منظومة القيم الأخلاقية، والثوابت الدينية.. وإلغاء مد حالة الطوارئ، لا يعنى أيضاً أن نترك الوطن بلا قوانين رادعة لكل محاولات التهديد.. إن ما يتحدث فيه الرومانسيون السياسيون فى الإعلام، خطر داهم يجب إيقافه والتصدى له.. فمصر مازالت تواجه الخطر.. وربما القادم أخطر.. فى ظل ما تشهده رقعة الشطرنج من صراع وجودى محتدم على المصالح والثروات، وتعاظم الأطماع.. فنحن فى زمن لا يعرف الصديق والشقيق فيه إلا مصلحته وحساباته، ولا يريدها إلا لنفسه، ولا يتمناها لغيره.
 
اللعب بالنار فى الملفات الخطيرة.. تهديد للوعى والوحدة
 
قنابل موقوتة
بعض الشخصيات العامة والإعلامية أو قطاع من النخبة المصرية تعيش للأسف حالة من الرومانسية السياسية والتوهم أن مصر الآن لا تواجه أى تحديات أو تهديدات أو مخاطر.. ولا حدود عندهم لمصلحة الدولة وأمنها، أو حتى سلامة المجتمع.. يريدون دولة الخيال واللا منطق فإذا كانت مصر نجحت فى تحجيم الكثير من التهديدات والمخاطر.. فهذا لا يعنى أننا أصبحنا دولة خالية من أى تهديد، رغم أن الخطر والمخاطر أمام أعينهم فى الغرب والشرق، والشمال والجنوب، وأيضاً فى الداخل..

 فالإرهاب والتطرف والتشدد، وإن أصبح حبيساً فى الحصن المصرى، بعد نجاحات مؤسسات الدولة فى تقزيمه وحصاره.. إلا أنه مازال موجوداً، حتى لو فكرة خبيثة، مازال أصحابها يتحينون الفرصة وهذه الفرصة -لا قدَّر اللَّه- ستأتى عندما يلين عزمنا.. وتنكسر وحدتنا.. ونؤذى بأنفسنا وبأيدينا حالة اللحمة والاصطفاف.. من خلال ترويج أفكار ومعتقدات وتسويق الابتذال وعدم الإدراك والوعى بأهمية التوازن والاعتدال.. وعدم الميل إلى الأفكار الشاذة والدخيلة، وعلى رأسها محاولة الالتفاف على ثوابت الدين، أو المساس بالرموز الدينية، أو محاولة المزايدة على إجراءات الدولة وتحركاتها للتصدى وغلق الأبواب ومنافذ الشيطان التى يدخل منها التطرف والتشدد والإرهاب.


وحتى نأمن على هذا الوطن ونطمئن ونواصل مسيرتنا العظيمة نحو البناء والتنمية والتقدم، ونحن ندخل «جمهورية جديدة» لابد أن ندرك خطورة ما يقوله البعض ويردده، وللأسف البعض من هؤلاء لا يرون فيما جرى فى مصر من طفرات وإنجازات عظيمة أى شىء.. ولا يعجبهم العجب، فقط تراهم ينظرون ويقولون كلاماً يفتقد لأدنى معايير الموضوعية والمهنية والواقعية والفهم.. ولا يكلفون حتى أنفسهم بالمقارنة البسيطة بين ما كان.. وما هو كائن.. وكيف كانت مصر.. وكيف أصبحت؟!..

 والسؤال: هل يمكن لدولة فى حجم مصر، مستهدفة بالتهديدات والمخاطر من كل حدب وصوب، ومن داخلها.. وللأسف من بعض أبنائها.. ودفعت كلفة باهظة من أرواح ودماء أبنائها، حتى تسترد وجودها وأمنها واستقرارها ومكانتها وثقلها.. هل نطلق الحبل على الغارب؟!.. هل نعيش بلا ضوابط ومعايير وقوانين تضمن سلامة الدولة والحفاظ عليها.. وتماسك المجتمع وسلامته؟!.. هل نترك البناء والعمل ونتفرغ للمراهقات والمنغصات الفكرية الشاذة التى هدفها فقط النيل من نجاحاتنا وإنجازاتنا وثوابتنا الأخلاقية والدينية وتضرب وحدتنا؟!


لسـت ضد الانفتاح الفكرى والسـياسى.. لكن لا يوجـد هناك شىء فى الدنيا بلا حدود أو بلا سقف، أو يتعارض مع الثوابت أو يتناقض مع الكتالوج المصرى.. و«الاستايل بوك الشعبى».. أو يتنافى مع مصلحة البلد الذى يواجه تحديات وتهديدات ومخاطر جسيمة.


ودعونى أذكر بعض النماذج التى أراها مثل «القنابل الموقوتة» التى إذا استمر الحوار والجدل فيها أو تناولها.. والتركيز فيها، فإنها تنذر بالخطر.. فأحد الإعلاميين الكبار الذى دأب على السقف المفتوح فى تناول الأمور والقضايا الدينية، وكأنه يناقش رواية، وليس أمراً جللاً، ومهماً للناس والعوام، ورجال الدين، ووحدة وسلامة المجتمع، بل ويتحلى ويتمتع بالقدسية والمفترض أن مَن يتحدث فيه أهل العلم والذكر فقط.. هذا الإعلامى الكبير الذى يطل علينا ويُنَظِّر فى كل شىء، ويحاول أن يخدعنا بالحديث عن نجاحات الدولة فى سطر، ويتناول ما يتعارض مع سلامتها فى كتاب.. يدافع وبشراسة وبلا منطق أن شخصاً منفلتاً كان يتحدث بالإساءة عن الدين والنبى عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين والصحابة، ويطعن ويذم فيهم بلا رحمة.. وبعد أن اتخذ القضاء المصرى حكمه العادل حفاظاً على سلامة وتماسك المجتمع وخطورة الإساءة للدين لما يمثله لدى المصريين من قدسية..

 والدولة وضعت قوانين لضمان عدم العبث فى هذا الموضوع، لتكون صمام أمان الوحدة واستقرار المجتمع.. لم يعجبه الحكم أو القوانين، واعتبر الأمر رجعية وتعارضاً مع الدولة المدنية الحديثة، وهذا غير صحيح.. فالدولة المدنية الحديثة لا تعنى أن تكون ملحدة، أو كافرة.. بل تراعى خصوصية الدولة، وطبيعة الشعب، وإلا فإن الأمن القومى فيما يتعلق بالنسيج والتماسك المجتمعى سيتعرض للخطر.
الدولة المدنية الحديثة فى مجتمعاتنا لا تعنى التخلى عن الهوية المصرية.. والهوى الشعبى، ولا تضرب الثوابت ومنظومة القيم والأخلاق المصرية.. لأنه ببساطة لكل دولة خصوصيتها.. تأخذ بمبادئ العدالة والمساواة والشفافية والحداثة المتوافقة مع خصوصيتنا والفكر والعلم والتقدم والتكنولوجيا والديمقراطية، لكن بما لا يتعارض مع الثوابت والقيم والأديان أيضاً.

ويستند الإعلامى الكبير فى حججه أن عودة هذه الإجراءات التى تحافظ على الثوابت واللحمة هى رجعة إلى الوراء.. كما نتفق جميعاً.. فالإخوان ليس لهم علاقة بالدين، وهم تجار ومضللون ومخادعون، وما كان الدين عندهم إلا ستاراً لاستقطاب الناس وتوظيفهم لهدم الأوطان.. لذلك ما قاله الإعلامى الكبير التفاف على الحقيقة واجتزاء لها.. فإقدام دار الإفتاء المصرية على إقامة مركز للإفتاء فى جامعة بنى سويف، هو إجراء مهم وفكر عبقرى، للتصدى للفكر المتطرف والمتشدد وعناصره الموجودة والخفية بالجامعات من الطلاب وبعض أعضاء هيئة التدريس.. وأحسنت دار الإفتاء المصرية فى هذه الخطوة المهمة، بدلاً من أن نترك ساحات الجامعات للعناصر الإخوانية والمتطرفة والمتشددة، لملء عقول شبابنا بالأفكار المضللة والابتعاد عن صحيح الدين.. ومن المهم أيضاً أن نرد على أسئلة الشباب وبيان صحيح الدين ووسطيته لهم.. وهذا التحرك الذى أقدمت عليه الدولة ممثلة فى دار الإفتاء هو إجراء صحيح 100٪، وفكر خارج الصندوق لحماية وضمان سلامة المجتمع من الفكر المتطرف.


لا يجب أن نلعب بالنار، وعلينا كإعلام أن نتحلى بالحكمة، وعلينا أن نتصدى لدُعاة الإساءة للدين والتجرؤ على الرموز الدينية والأنبياء والرسل على شاشات التلفزيونات، بل لا أخفى عليكم أنهم أشد خطورة الآن من الإرهابيين والمتطرفين الذين ظهرت حقيقتهم للناس، وسقطت عنهم الأقنعة بأنهم حثالة ومجموعة من الخونة والمرتزقة الذين يركعون فى محاريب الدول المعادية وأجهزة مخابراتها.. هذه حقيقة أدركها وأيقنها جميع المصريين، بل وجموع الأمة.. لكن أن نخرج على الناس وندافع وندين إنزال العقاب على المسيئين للدين، ومزدرى الأديان والتجرؤ على الدين، والأنبياء.. فهذا قلب الخطر، والقنبلة الموقوتة، والنار التى لا يجب أن نلعب بها.. وعلينا أن نغلق هذا الملف تماماً ونتركه لأهل العلم والذكر.
طالبت من قبل بمنع غير المؤهلين من الحديث، والتنظير والإفتاء فى أمور الدين، وأن يكون العلماء والأئمة هم أصحاب الحق فى الحديث فى الأمور الدينية.. ويجب أن نعرف عند الحديث فى الدين أننا لا نناقش قضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، بل نتحدث فى أمور هى مثار اهتمام الناس، ولها من القدسية ما لها.. لذلك علينا أن نتريث ونتحلى بالحكمة.. وهناك مئات القضايا التى يمكن أن نتحدث فيها كإعلام، سواء سياسية أو اقتصادية أو أمنية أو ما تموج به المنطقة من صراعات وتوترات وأزمات وتهديدات وأطماع، وأيضاً نناقش تحدياتنا ونبنى وعياً حقيقياً فى عقول الناس بدلاً من المهاترات والسخافات، والتنظير فى أمور خطيرة على مصلحة البلاد والعباد.

الإعلامى الكبير استضاف كاتباً صحفياً كبيراً أيضاً.. وهذا الكاتب لم يعجبه العجب، وله آراء غريبة.. ورومانسية سياسية تحلق فى الخيال، وكأن مصر انتهت من كل معاركها، ولا تواجه أى نوع من التهديد، ويدافع عن متورطين ومتهمين بالتآمر على الدولة.. والغريب أن هذا الكاتب وجد أرضاً خصبة مع الإعلامى الكبير فقال إنه بعد قرار إلغاء الإعلان عن مد حالة الطوارئ.. جاءوا بقوانين تطبق الحالة.. وأنا كمواطن مصرى أسأل هذا المنظر الرومانسى: أليس من حق الدولة أن تحمى وتصون أمنها القومى.. وتحفظ للمجتمع سلامته، وأن تتصدى لكافة التهديدات والمخاطر فى الداخل والخارج.. وهل يمكن أن تعيش الدولة فى حالة فراغ.. وهل راجع أو اطَّلع كاتبنا الصحفى الكبير على القوانين والإجراءات الاستثنائية فى معاقل الديمقراطية مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا.. هل اطَّلع على قانون الأمن الفرنسى الجديد؟!.. هل يتذكر قول «ديفيد كاميرون» رئيس الوزراء البريطانى خلال أحداث مانشيستر.. عندما سألوه عن حقوق الإنسان: قال بالحرف الواحد: «لا تحدثنى عن حقوق الإنسان إذا تعرض أمن بريطانيا للخطر»..

 أليست هذه الدول نماذج للديمقراطية والحرية.. هل تستطيع أن تخرج بأى نوع من الاحتجاج فى هذه الدول دون تصريح معين بالزمن والمساحة والمكان.. قل لى كاتبنا الكبير: ماذا فعلت أمريكا عندما اقتحم المتظاهرون البرلمان.. هل واجهتهم بالورد والقبلات والأحضان؟!.. هذه الرومانسية السياسية والفكرية لدى بعض النُخب التى تصادر حق دولة تواجه أخطر التهديدات.. وتجعل من يد الدولة رخوة وناعمة فى حماية أمنها القومى.. وأمن وأمان ومصالح شعبها، والإضرار باقتصادها ووحدتها.


أنا مع الحرية لأعلى سقف.. ومع الديمقراطية.. ولكن أيضاً مع مصلحة الوطن والشعب، مع قدرة الدولة على حماية أمنها القومى فى عصر تموج به المنطقة بالمتغيرات و الصراعات والأطماع والأوهام، وفى وقت نجحت فيه أجهزة المخابرات المعادية فى تجنيد محللين يتاجرون بالدين لاستقطاب الشباب وتوظيف الدين.


إننى لا أريد الدين الذى خدع به الإخوان المجرمون الناس، فهذا ليس ديناً، والإسلام برىء منه، فالدين لا يدعو للتطرف والإرهاب والقتل وخيانة الأوطان والكذب.. ولا أريد أيضاً أفكار الملحدين والمسيئين للدين.. أو المتطرفين فى الاتجاه الآخر.. لا أريد اليمين أو اليسار.. أريد الدين الذى عرفه المصريون من وسطية واعتدال وتسامح وتعايش ووعى وضمير، وولاء وانتماء لهذا الوطن.


أريد أيضاً وطناً يمتلك أدواته وقوانينه ووسائله لحماية الدولة والحفاظ على الشعب ومقدراته.. ولا أريد فتح الباب على مصراعيه للتهديدات والمخاطر.
تحيا مصر