صدى البلد
رئيس التحرير

في وداع مظفر النواب.. شاعر بحجم أمة ومعاناتها

صدى البلد

جاء رحيل الشاعر العراقي الكبير، مظفر النواب، ليُسكن وحشة حقيقية في بيت الشعر العربي الأكبر. فهو آخر حبّة في عنقود شعراء العربية الكبار، التي تغنت بقصائده وتداولتها سرًا وجهرًا جماهير الأمة العربية طوال قرن.

مظفر النواب، شاعر عراقي أطبقت شهرته الآفاق، لأنه نظم شعرا، قل أن يخرج بمثل هذا الحماس والقوة والإبداع والشاعرية والألم. فمنذ طفولتنا واسم مظفر النواب، يتردد على مسامعنا كأحد أكبر شعراء العربية البارزين في القرن العشرين، وهو كذلك فعلا وأكبر.

تشبه حياة مظفر النواب، قطعة من الجحيم والخلود معا. فحياته حافلة للغاية ومليئة بالمطارات والقصائد والسجن والهروب. سطّر تجربة شعرية يستحيل أن يختصرها أحد في مقال أو مقالين أو حتى مائة. فكل قصيدة من قصائد مظفر النواب، تنطق بعروبته وقوته ورباطة جأشه رحمه الله، وقدسية الشعر وحرمة أبياته وسطوره التي تترد على لسانه. وقد حظى مظفر النواب، طوال حياته، باهتمام شعبي وجماهيري جارف، فهو ابن العراق مولدًا، وكثيرا ما نظم لبغداد ودجلة والفرات والعذاب، لكنه شاعر العربية، خير من نطق بأبيات شعرية خالدة تقف ضد الظلم والاستبداد، وتمقت الاحتلال وتتنصر للقدس وقضية فلسطين.

وقد نعاه رئيس الجمهورية العراقي، برهم صالح، بالقول: "إنه سيقى حيا في ذاكرة الشعب، مَن زرع مواقفه السياسية والوجدانية بشكل صادق. فمظفر النواب لا يمضي للعدم ولكنه حي في ذهن كل من ترنم بقصائده الخالدات". وقد نعاه كذلك رئيس وزراء العراق، مصطفى الكاظمي، قائلا: العراق الذي طالما تغنّيت باسمه أينما حللت، وأفنيت عمرك لإعلاء مكانته، يكتسيه الحزن وهو يودّعك الى مثواك الأخير".

فـ يحق للعربية، أن تفتخر بمظفر النواب، وتفتخر بشعره وأن تُدرس أشعاره لطلاب المدارس. فمظفر ابن الأسرة الارستقراطية، عاني كثيرًا ليُخلد شعرًا، يدافع عن مبادىء وقضايا منذ خمسينيات القرن الماضي.

دفع ثمنا فادحا، في المنافي جراء موهبته الضخمة وأشعاره اللاذعة. فعندما تقول مظفر النواب، تتذكر قصائده التي حفلت بروح التمرد والثورة على الديكتاتورية والسلطوية. وانحيازه التام، لقضايا الفقراء والبسطاء والعدل والتصدي للاستعمار والاحتلال.
مظفر النواب، هو صاحب الروائع، التي تحتشد بالآهات والدموع والصرخات: القدس عروس عروبتكم، الرحلات القصية، المسلخ الدولي وباب الأبجدية، بحار البحارين، وقراءة في دفتر المطر، والاتهام، وبيان سياسي، ورسالة حربية عاشقة، وفي الحانة القديمة، وأفضحهم. مظفر النواب، وهو صاحب البقاع البقاع، وموت العصافير، ووتريات ليلية، وسوف نبكي غدًا وباب الكون وبنفسج الضباب.

من أبياته الساحرة|
مرة أخرى على شباكنا نبكي/ ولا شي سوى الريح وحبات من الثلج على القلب/ وحزن مثل أسواق العراق.
يا غريب الدار إنها أقدار/ كل ما في الكون مقدار وأيام له/ إلا الهوى ما يومه يوم/ ولا مقداره مقدار
غرباء تعبوا من هذه الدنيا والموت تأخر..
ومن أبياته// اغفروا لي حزني وخمري/ وغضبي وكلماتي القاسية/ بعضكم سيقول بذيئة/ لا بأس/ أروني موقفا أكثر بذاءة مما نحن فيه.
وقوله: جئتك من كل منافي العمر, أنام على نفسي من تعبي. 
وكلمته: تحملت يا وطني و ليالي المنافي قبور وكل نهار كفن.
.. ويبقى رحيل مظفر النواب، رحيل مثقف، ملأ الأرض صخبا بقصائده ومواقفه. شاعر تحزن آلهة الشعر على رحيله وتودعه صامتة إلى مثواه الأخير.