صدى البلد
رئيس التحرير

لا تربية ولا تعليم .. !

صدى البلد

على مدار سنوات طويلة ، ظلت الوزارة المسئولة عن التعليم قبل الجامعي في مصر ، يطلق عليها وزارة التربية والتعليم ، وظل المسئولون المتعاقبون على هذه الوزارة في مصر يؤكدون دوما  أن التربية دائما قبل التعليم.


ومن خلال رصدي لحال التعليم في مصر على مدار السنوات المتعاقبة ، بصفتي صحفية مسئولة عن تغطية أخبار التعليم قبل الجامعي منذ عام 2008 وحتى الآن ، تأكدت من أن الحقيقة المرة هي أننا لن نملك في مصر "لا تربية ولا تعليم" إلا بعد التخلص من الفساد بأنواعه سواء الفساد الاداري المتمثل في وجود بعض النماذج السيئة التي تتعمد تعطيل العمل بالقوانين واللوائح والقرارات الوزارية  وتسير عكس الاتجاه لأغراض معينة سواء  في الإدارات أو المديريات أو المدارس  ، أو الفساد الفكري الذي يتسبب فيه مثيرو الجدل والشائعات والأخبار المغلوطة الذين يجعلون الأهالي في حالة اعتراض مستمر على أي خطوة من خطوات التطوير ، أو الفساد الأخلاقي الذي جعلنا لا نربي أبناءنا على أن الغش حرام و احترام المعلم واجب .. و لن اتحدث هنا عن الفساد المالي لأن هذا الجانب لا يجب أن نتطرق إليه فهناك جهات مسئولة عن كشفه ومحاسبة المتورطين فيه.


ما نراه الآن بصراحة شديدة ، هو أن الوزارة تتحرك وحدها في وادي تطوير التعليم ، أما المديريات والإدارات و المدارس يتحركون وحدهم في وادي ثاني نتيجة لاستمرار عناصر الفساد واصحاب مصالح النظام القديم في أماكنهم ، بينما يتحرك الأهالي و الطلاب في وادي ثالث هو وادي يقوده بعبع الدرجات والنجاح والشهادة فقط بغض النظر عن التعلم.


وعلى الرغم من كل مساعي تطوير التعليم في مصر خلال الفترة الأخيرة ، إلا أن مساعي هذا التطوير التي يقودها الوزير الدكتور طارق شوقي وفريق عمله الموجود داخل أروقة الوزارة، يتم تدميرها تماما من خلال كم الفساد الإداري "التقصير" الذي مازال متربعا خلف الأبواب المغلقة في المديريات والإدارات التعليمية ، بل وفي بعض المدارس، وهو الأمر الذي يجعل كل جهود التطوير دائما محل انكار واعتراض وسخرية أحيانا من جانب الرأي العام


ما يحدث هو أن الوزير يضع الخطط والاستراتيجيات الخاصة بالتطوير وفقا لخبرته في هذا المجال وما رصده بنفسه من أنظمة تعليمية في مختلف دول العالم ، ويصدر القرارات التي تتفق – من وجهة نظره -  مع الدراسات الدقيقة التي يقوم بها هو و فريق عمله ، ثم يأتي بعض المسئولين الموجودين في المديريات والإدارات التعليمية والمدارس ، ليتحركوا عكس الاتجاه ردا على تلك القرارات والخطط والاستراتيجيات، لتحقيق مصالح ومكاسب شخصية اعتادوا عليها نتيجة ورث سنوات طويلة من الفساد في منظومة التربية والتعليم دون حساب او رقابة .


ومع هذا التطبيق الخاطئ الذي قد يكون سببا رئيسيا – وليس السبب الوحيد -  في تشويه قرارات وخطط و استراتيجيات التطوير، نجد أنفسنا على أرض الواقع نصطدم يوميا بعدد من المهازل التعليمية على كافة المستويات رغم كل مساعي التطوير.


فمع الكلام عن إجراءات تطوير التعليم نجد بعض المدارس تفرض زيادات غير قانونية في المصروفات دون وجه حق ودون حساب تحت شعار "اللي ماعهوش مايلزموش" رغم علم هذه المدارس بأن مثل هذه القرارات مرفوضة مجتمعيا و مرفوضة من الوزارة.


ومع الكلام عن التطوير أيضا مازلنا نجد أزمات مثل تسريب امتحانات الإعدادية في بعض المحافظات قبل توزيعها في لجان الامتحانات لمجرد أن هناك موظف في المديرية أو الادارة أو حتى المدرسة قرر يفتح مظروف الامتحان قبل موعد الامتحان بالمخالفة للتعليمات دون حساب.
 

وفي ظل إجراءات التطوير ، مازلنا نجد وقائع اعتداءات من  بعض المعلمين على الطلاب و اعتداءات من بعض الطلاب على المعلمين ، واعتداءات من بعض الأهالي على المعلمين ، ونجد احتجاجات مستمرة من بعض الأهالي على أي قرار جديد حتى لو كان صحيحا دون فهم أو وعي لمجرد أن كل طرف "ماشي بدماغه" بدون أي اعتبار لا ضوابط وزارية ولا لأصول العملية التعليمية ولا لخطط تطويرية.


ومازلنا نعاني من استمرار تفشي الدروس الخصوصية  رغم كل تحذيرات الوزارية والحكومية ، بالإضافة لاستمرار الغش وانتشار جروبات الغش على السوشيال ميديا وتوافد الطلاب عليها بشكل معلن "بأسماءهم الحقيقية" وصورهم احيانا ، من داخل لجان الامتحانات دون اي خوف من احتمالية تطبيق اي عقوبات تؤدي الى ضياع مستقبلهم رغم كل التنبيهات الصادرة في هذا الشأن 
 

كل ما سبق لا يمكن الا نضيف إليه موضة "تريندات التعليم على السوشيال ميديا" التي يتعمد فيها الفاسدون وأصحاب المصالح إثارة الرأي العام بين الحين والآخر بتسريب اخبار تعليمية لا أساس لها من الصحة ، مع تعمد تداول المخاطبات الداخلية لوزارة التعليم على السوشيال ميديا ليتم تفسير بعضها من جانب غير المتخصصين بشكل خاطئ يثير الجدل ، ثم يتم إلقاء اللوم في النهاية على الصحفيين الذين ينشرون هذه المخاطبات دون إلقاء اي لوم على اسس المشكلة وهو المسئول الذي تعمد تسريبها 
 

كل هذه الأزمات السابق ذكرها هي مجرد أمثلة بسيطة لما يحدث على أرض الواقع بعيدا عن التصريحات والبيانات الرسمية التي تصدر يوميا والتي ترفع شعار "كله تمام " ، وبعيدا عن كل محاولات التطوير التي لو تم تنفيذها على أساس صحيح ستنقل الدولة المصرية نقلة كبيرة تجعلها في اول قائمة الدول المتقدمة .


ليس المقصود من هذا المقال اغفال كل المجهودات التي تتم من الدولة المصرية لتطوير التعليم ، ولا المقصود ان يتم اغفال الايجابيات المشرقة  مثل استحداث مدارس التكنولوجيا التطبيقية بتخصصاتها الفريدة وروعة التعليم المقدم في المدارس المصرية اليابانية و تميز ونجاح المدارس الرسمية الدولية ، ولكن لا شك أن هناك خطة للشوشرة واجبار الدولة على وقف اجراءات تطوير التعليم ، و العودة مرة اخرى لزمن التعليم التقليدي القائم على الحفظ والتلقين ،  لينعم الفاسدون واصحاب المصالح بسبوبة فساد طباعة الكتب المدرسية وتجارة الدروس الخصوصية والمجاملات والمحسوبية في التعيينات ، وكذلك العودة لزمن فساد مجاملات تصحيح الامتحانات و تبديل الاوراق ورفع نتائج لجان اولاد الاكابر.

"التربية و التعليم "  هما كلمتان عميقتان لا يجب أن تكونا مجرد شعارا تحمله لافتة وزارة في الحكومة المصرية ، فعلينا جميعا ان نعترف بأنه في ظل استمرار كل هذه الحرب القائمة بين واضعي الخطط والاستراتيجيات و منفذيها على ارض الواقع ، ومع استمرار عمل كل طرف في وادي منفصل عن غيره ، واستمرار الفاسدين في محاولات تحقيق مصالح ومكاسب شخصية فاسدة دون اي تحرك جذري لاصلاح هذا الوضع المؤسف ستظل محاولات التطوير "غير مؤثرة" 


آن الآوان لقطع الفساد بأنواعه "الاداري – الفكري – الاخلاقي " من جذوره في مختلف المؤسسات التعليمية في مصر واستبعاد جميع الفاسدين ، فالامر يتطلب "فلترة" خريطة قيادات وموظفي الادارات والمديريات و المدارس في مصر  ، ليتم التخلص من كافة العناصر الفاسدة التي تسعى لتحقيق مصالح و مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة لهذا الوطن و ابناءه .. كما انه لابد من عمل توعية اعلامية حكومية كاملة لاولياء الامور بأهمية جهود تطوير التعليم وبالطريقة الصحيحة لتربية ابنائهم على ان "التعليم ليس مجرد شهادة" و أن "الغش يس حق" ، ولابد من فتح حوارا مجتمعيا مستمرا بهذا الشأن لإزالة اي جدل ، بالاضافة لضرورة العمل على القضاء على فكر النظام التعليمي القديم الذي تربى عليه معظم الاهالي مما جعلهم الان متخوفون من فكرة التغيير
 

المسئولية مشتركة.. وعلينا أن نكون على قلب رجل واحد في مسألة التعليم بالتحديد.. فلن يصبح في مصر "لا تربية ولا تعليم" مهما وضعنا خطط واستراتيجيات للتطوير .. فلا تطوير مع الفساد .. ولا تعليم بدون تربية .