صدى البلد
رئيس التحرير

التغير المزاجي

نهال علام
نهال علام

هل استيقظت اليوم وأنت على ما يرام! أتتذكر آخر مرة كنت تشعر فيها بأن أحوالك تمام! لست بخير، أشعر بوعكة مزاجية، أعاني من تقلبات شعورية، وتأنيب لذاتي الإنسانية، ورفض لأي مشاركات اجتماعية، فهل أصبحت شخصية انطوائية! أم أنا على شِفا الأمراض النفسية، وربما بالفعل أنا في أول طريق الأفعال الجنونية وخاصة بعدما راودتني حفنة من الأفكار التشاؤمية!

كلمات مقبضة، وتعليقات غير مبهجة منتشرة على صفحات التواصل الإجتماعي وحاضرة بقوة في أثناء تواصلنا الإنساني، وأضف عليهم الأعراض المرضية صداع، آلام بالعظام، عدم انتظام ضربات القلب تقلبات في القولون، اضطرابات النوم وارتباك النظام الغذائي، فهل صادفت في الآونة الأخيرة من يتحدث على تلك الأعراض أو ربما تكون اختبرتها بشخصك!

نعم إنها ظاهرة عامة ببساطة معظمنا ليس بخير، أتعلم أننا لسنا الوحيدون وأن الشكوى عامة والغمة طالت العالم كافة، وهذا هو ثمن العولمة ونصيب الفرد من تركته العالمية الحافلة، وقَدرُه في ظل العالم الواحد أن يتشارك في عطايا الزمن القاحلة، ولكن ما الذي جمعنا ووحَد متاعبنا هل هي الحرب أم الغلاء! أتراها العزلة التكنولوجية أم سطوة الأخبار التلفزيونية! أم رياح التغيرات الاجتماعية والموجات الاقتصادية!

كلها أسباب مشروعة، قد تودى لمتاعب نفسية وجسدية مشروطة، ولكن كل ما سبق اعتادته البشرية، فمنذ نعومة أظافر البرية والابتلاءات تتهاوى فوق رأس الكرة الأرضية، فماذا جدّ! هل هو الوباء! ليس بجديد داء وراء داء وفي النهاية نكتشف الدواء ويمضي الأمر، ألم يعش أجدادنا السل والانفلونزا الأسبانية والأمراض التنفسية، فهل كانت حالتهم كحالنا! زلازل وبراكين حروب مدوية ولكنهم كانوا صامدين فلم نحن متوعكين!

إذاً ليست تلك التغيرات المزاجية ابنة شرعية للظلال الحربية ولا الأنياب الوبائية وأيضاً التبعات الاقتصادية، فهل ذهب تفكيرك إلى التغيرات المناخية!

إنها العامل المستحدث الذي لم يعشه أجدادنا طوال أعمارهم المديدة وبرغم مامروا به إلا أننا نستطيع أن نصفها إنها كانت سعيدة، لا تستهن فالتغيرات المناخية بالفعل عنيفة، فطرة الطقس التى عهدناها شتاء دافئ وصيف رائق، ربيع به الأتربة وخريف يحمل بعض الأورقة، كنا نعرف الاستقرار ومتى يزورنا المطر ومتى نقفل شبابيك الدار مع موجات الغبار.

ولكن بالأمس القريب عشنا شتاء غريب قارس البرودة، ممتد لأيام طويلة، وهاهو الصيف المرتقب بلهيبه المنتظر، وإلى هنا لم تنتهي الحكاية فلازلنا ونحن على مشارف شهر يونيو وانخفاض درجات الحرارة يحدث على غير العادة، وماسبقه بأيام لم يخطر أبداً على الوجدان شمس مشرقة وغيوم مقبلة وحرارة مرتفعة ونسمات باردة، كله في آن واحد، يا إلهي الواحد أصبح أصعب قرار يومي أنت بصدده، ماذا أرتدي الملابس الصيفية أم الجاكيتات الشتوية وإذا وصلت للإجابة بسلام فلن تحسم أمرك والناس نيام، فالمجد للبطانية أم الألحفة الصيفية!

وفي البداية لنضع الخطوط العريضة لما نعنيه بالتغير المناخي فهو التحولات طويلة الأجل في درجات الحرارة وأنماط الطقس، وربما يختلط الأمر بين الاحتباس الحراري والتغير المناخي لذا يجب أن نؤكد أن الاحتباس الحراري هو أحد تداعيات التغير المناخي ذو المظلة الأعم والأشمل.

وليس الأمر كما يعتقد الكثير من الناس أن تغير المناخ يعني ارتفاع درجات الحرارة فقط، ولكن ارتفاع درجة الحرارة ليس سوى بداية القصة، فالأرض عبارة عن نظام متصل، لذا التغييرات في منطقة واحدة قد تؤدي إلى تغييرات في جميع المناطق الأخرى، فالتغير الحراري طل برأسه القبيح منذ أواخر القرن التاسع عشر واستمر الأمر حتى كان العقد الماضي هو الأشد حرارة.

وعواقب تغير المناخ وخيمة، مثل الجفاف الشديد وندرة المياه والحرائق وارتفاع مستويات سطح البحر والفيضانات وذوبان الجليد القطبي والعواصف الكارثية وتدهور التنوع البيولوجي.

ولا تتعجب العلاقة الطردية بين ذوبان الجليد وذوبان الشغف، فعندما تمت مقارنة عمليات الإجرام والعنف بدرجات الحرارة العامة للطقس، فخرج الباحثون باستنتاج مفاده أن هنالك علاقة إحصائية واضحة ما بين المتغيّرين، حتى أن بعض الدراسات الأخرى تربط ما بين الارتفاع الأخير في درجات الحرارة العالمية والاضطرابات السلوكية والنفسية، وتشير دراسة أسترالية على سبيل المثال إلى وجود علاقة بين الاضطرابات النفسية والذهنية وما بين معدلات الحرارة المرتفعة.

ولا شك بأن للتغيرات المناخية غير الطبيعية لها تداعيات على وظائف أعضاء جسم الإنسان، فدرجات الحرارة المرتفعة تسبب الجفاف الذي يؤثر على صحة القلب، كما تؤدي إلى الاضطرابات المعديّة والمعوية ومشاكل الكلى، وترتبط جميع هذه المشاكل الصحية بالنهاية بمشاكل نفسية مرافقة، والتي تتشكل بسبب ضعف قدرة الفرد على تحمل ظروفه الصحية.

وإذا كنت لازلت متشككاً سأدع أرقام الجهاز العام للتعبئة والإحصاء تجعلك متأكدا، ففي التقرير الصادر عن الجهاز لعام 2020 وجد زيادة عدد حالات الطلاق في فصل الصيف بنسبة 28,5% عن باقي فصول السنة، وإذا ذهبنا لإحدى الدول الخليجية المعتادة على درجات الحرارة الجنونية سنجد أيضا في دولة مثل دولة الكويت أن خروج درجات الحرارة عن سياقها المعتاد أدى لزيادة معدلات الطلاق!

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي جسدت السينما الصيف بأنه شهر الحب فعلى سبيل المثال فيلم البنات والصيف أبي فوق الشجرة، في الصيف لازم نحب وغيرها من متلازمة الصيف والحب، أما اليوم تغير الوضع حتى أصبح الصيف وشبح الطلاق المخيف!

ومن هنا يمكن أن نعى الدور الحياتي الذي نحتاجه للمؤتمرات البيئية وعلى رأسها مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ COP27 الذي سيعقد في شرم الشيخ في نهاية هذا العام 2022.

 في سياق الاهتمام العالمى المتصاعد بقضية التغيرات المناخية والمتوقع من انعقاده في مصر عدد من المكاسب الحقيقية، على المستويات المحلية الدولية والبيئية والاقتصادية والسياسية.

ولكننا نطالب بوضع المكاسب الصحية في أجندة المؤتمر وخاصة أن مؤتمر استوكهولم بالعاصمة الاسكتلندية في نسخة cop25 أغفل تماماً تأثير التغير المناخي على الصحة النفسية، وتلك نفس النقطة التى احبطت النشطاء البيئيون تجاه نسخة المؤتمر في جلاغسكو cop26 حيث جائت التوصيات في كيفية التخلص من مسببات التغير الحراري دون علاج أثاره على صحة الانسان وخاصة الجوانب النفسية.

التغيرات البيئية ذات تأثير كبير على سلوك الإنسان وحالته النفسية والعقلية وذلك أمر لا يقبل الشك، وهو نتيجة حتمية للتفاعل بين التكوين الفسيولوجي والسيكولوجي للإنسان، لذا نأمل أن نرى أولوية لتداعيات هذا التغير في مؤتمر cop27 الذي سيحل ضيفًا على مدينة السلام، وكما نحن ممتلئين باليقين من المكاسب الأكيدة المنتظرة إثر انعقاده، كلنا آمال أن تجد نفسيتنا حلاً في ظل انبثاقه..

وحتى نصل لحل عالمي علينا أن نساعد أنفسنا، وذلك بمراعاة حالتنا النفسية ومواجهة كبواتها ومقاومة تقلباتها، فلنتراحم ونتواصل ونتسامح ونتسع لبعضنا بعضا، لنغمر قلوبنا بالحب وعقولنا باليقين وأرواحنا بالسلام، ونتفهم أن مايحدث خارج حدودنا الجلدية يخترق خلايانا العصبية، لذا علينا أن لا ندع البركان الثائر في أقصى الغرب يؤثر في علاقتنا بالأم والأب، ولا نسمح للنهر الجائر في الشمال يهدد علاقتنا في العمل ومع العيال، ودائماً نصف حل المشكلة يكمن في اكتشافها فكن طبيب نفسك وتابع مدى تأثرك الشخصي بالمتغير الجوي.