صدى البلد
رئيس التحرير

السيسي .. الثانوية العامة.. الثورة التكنولوجية

علاء حيدر
علاء حيدر

يستعد الناجحون في الثانوية العامة ، للتوجه إلى مكاتب التنسيق،  لاختيار الكليات التي يأملون الالتحاق  بها   ، و ذلك وفقا لمعايير التفوق   ، أو  التقيد بالمجموع ،   أو الرغبة في  الحصول على شهادة عليا ، يكون من شأنها ، تمكين  الشباب  من الفوز بوضع اجتماعي ،  يجعلهم  قادرون  على الارتباط  بفتاة تنتمي لأسرة على مستوى مناسب .  

  لكن مع التطور التكنولوجي الهائل الذي شهده العالم خلال الألفية الجديدة ، خاصة، في مجال   الاتصالات ، و تكنولوجيا المعلومات، والبرمجيات، و الرقمنة بصفة عامة ، أصبح هناك كليات، يواجه  خريجوها صعوبة بالغة في الحصول على فرصة عمل مناسبة ، تضمن للمتخرج الحصول على راتب مجز،  يوفر  له ولأسرته حياة كريمة .

ولكن قبل أن نتحدث عن خريطة الطريق ، التي رسمها الرئيس عبد الفتاح السيسي، للخريجين من خلال " إطلاق منصة مصر الرقمية " لتمهيد الطريق للشباب  الطموح الذي يسعى للحصول على فرصة عمل تتواءم مع سوق    العمل ، المحلي ، والإقليمي ، والدولي ، ينبغي أولا سرد تاريخ خريجي الجامعات المصرية منذ  عصر الملكية وحتى يومنا هذا.

  ففي عهد الملكية  سادت ثقافة " إن فاتك الميري إتمرمغ في ترابه "، و يعني ذلك  الفوز بوظيفة حكومية ، تضمن لحامل الشهادة العليا ،  الجلوس على مكتب حكومي ، و الحصول على راتب شهري  معقول  . و كان ذلك وضعا مثاليا لحامل الشهادة العليا  ،   عندما كان تعداد المصريين يتراوح  بين 10 إلى 18 مليون نسمة فقط   .  

  و مع قيام ثورة يوليو 1952 ، إزداد تمسك المصريين  بثقافة الشهادة العليا ، لا سيما من جانب أبناء العمال، والفلاحين،  على أساس أن معظم حاملي الشهادات العليا في عهد الملكية ، كانوا من أبناء الطبقة المتوسطة ، والراقية . ومن جانبها توسعت حكومات  الثورة في سياسة تعيين الخريجين في الجهاز الاداري للحكومة ، أيا كان نوع شهادة المتخرج ، سواء كانت  تحتاجها دواوين الحكومة أم لا ،  بعد أن تبين خلال فترة الصراع مع إسرائيل ، أن البعض من  المتعطلين عن العمل من حاملي الشهادات ،  وقعوا في براثن التعاون مع الصهاينة ، فكان قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، بتولي وزارة  القوى العاملة تعيين كل الخريجين ، برواتب أصبحت بمرور الوقت  لا تتواءم مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وذلك  من منطلق الحفاظ على الأمن القومي المصري خلال  هذه الفترة العصيبة من تاريخ مصر .

وظلت سياسة التعيينات في الحكومة  قائمة خلال حكم الرئيس أنور  السادات ، لضمان جبهة داخلية  قوية، حتى تم تحرير سيناء من المحتل الإسرائيلي. ومع تولي الرئيس حسني مبارك السلطة،  انتهج نفس السياسة  خلال سنوات حكمه الأولى،  حتى تضخم عدد العاملين بالدولة مع تزايد أعداد الخريجين،   بسبب الانفجار السكاني،   ليرتفع عدد موظفي الدولة  إلى ثمانية ملايين موظف  معظمهم لا حاجة للجهاز الحكومي  لخدماتهم ،  لتضطر الدولة لإجبار وزارة  القوى العاملة ، على  التوقف عن سياسة التعيينات  الحكومية لتختفي لأول مرة عبارة الخريجين الشهيرة " أنا قاعد في البيت مستني جواب تعيين القوى العاملة ". 

و هنا وجد كثير من خريجي الكليات،  لا سيما النظرية منهم ، على وجه الخصوص،وجدوا   أنفسهم يحملون شهادات ، و لا يجدون فرص عمل ، تتناسب مع  تخصصاتهم في القطاع الخاص، فتحولوا لقنابل موقوتة،  ليسقط بعضهم في براثن التطرف الديني ، والبعض الآخر فريسة الانحراف،  فضلا عن العمل في مجالات لا تتناسب مع تخصصاتهم ، لدرجة أن بعض حاملي الشهادات العليا  اضطروا للعمل كسائقي  توكتوك أو في  مجال الدليفري.

 و لم يكن من الممكن أن يقف الرئيس عبد الفتاح السيسي مكتوف الأيدي أمام  هذا الوضع غير المقبول في خضم   التقدم التكنولوجي الهائل الذي يشهده العالم ، كل يوم،  بل كل ساعة ، و كل دقيقة . فبادر الرئيس  السيسي باستباق ظهور نتيجة الثانوية العامة، وقدم النصح للطلبة باختيار الكلية التي تتواءم مع سوق العمل، المحلي و الدولي، في زمن الرقمنة، و تكنولوجيا  المعلومات والاتصالات ، والبرمجيات،  مؤكدا أن خوض هذه المجالات توفر للمتخرج مستقبلا مهنيا و ماديا هائلا . و لم يكتف  الرئيس السيسي بالنصح بل عمل على توفير الجامعات الحكومية و الخاصة التي تؤهل الطالب  لهذه المجالات التكنولوجية بعد أن  ساهمت في صعود العديد من الدول ، وحولتها من دول فقيرة ، لدول غنية.  

كما بادر الرئيس السيسي بإطلاق "منصة مصر الرقمية " ، فضلا عن  تدشين مراكز شباب جديدة بالمحافظات،  لتأهيل الشباب لوظائف المستقبل .  

 وتقدم دولة  الهند أهم مثال يحتذى به  في مدى أهمية مساهمة تكنولوجيا المعلومات في تحويل دولة نامية يعاني  شعبها  من الفقر بسبب الانفجار السكاني الى  نمر اقتصادي . و  تشير  التوقعات الاقتصادية العالمية ،  إلى أن قطاع تكنولوجيا المعلومات ، سيساهم بقوة في جعل الهند ، ثاني أكبر  إقتصاد  في العالم  بعد الصين اعتبارا من  النصف الثاني من القرن الحالي ،   بعد أن نجحت الهند بالفعل في أن تفوز  بلقب  خامس أقوى  إقتصاد في العالم في العام 2020  . و ذكرت  وكالة " بلومبرج " ، أن الهند صدرت في العام   2020  منتجات تكنولوجية ، لا سيما  في مجال البرمجيات  بنحو 150 مليار دولار ،   أي ما يساوي تقريبا دخل  السعودية،  أكبر منتج  للبترول في العالم  .و أضافت أن الهند أصبحت تتسلح بنحو 5 ملايين مهندس ، يعملون في مجالات تكنولوجيا المعلومات  المختلفة  ، مشيرة إلى أن راتب  المهندس الهندي المتميز  ،  الذي يعمل في هذا المجال ، يتراوح ما بين  4 آلاف إلى 5 آلاف دولار شهريا  و هو راتب يعد خياليا ،  بالقياس بمتوسط  دخل الفرد  في الهند ، و الذي لا يزيد عن 150 دولار شهريا فقط ، وفقا لبيانات البنك الدولي  .

  كما يعد مارك زوكيربيرج ، خريج  جامعة هارفارد ، الذي تحول إلى واحد من أغنى  أثرياء العالم ، بفضل تكنولوجيا المعلومات ، من أهم الأمثلة على المستوى الفردي العالمي في مدى تحقيق النجاح المبهر في كيفية   استغلال تكنولوجيا المعلومات ، لا سيما  الإنترنت على وجه التحديد ، و ذلك من خلال تحويل أختراع "الفيس بوك " إلى أهم وسيلة للتواصل الإجتماعي حول العالم  . فمن خلال الفيسبوك ،  تمكن مارك  زوكيربيرج   من أن يتحول من طالب،  يجد صعوبة في تسديد مصروفات الجامعة ، إلى امتلاك ثروة تصل إلى 85 مليار دولار . و يتوقع أن تتضاعف ثروة مارك زوكيربيرج بعد أن واصل استغلال تكنولوجيا المعلومات،  بتطوير الفيسبوك إلى "ميتافيرس"  الذي من المقرر أن يمكن  مستخدم ميتافيرس من التعامل مع تكنولوجيا " العالم الافتراضي"  من خلال إرتداء نظارة تتيح للمستخدم الذهاب لأي مكان في العالم ، و هو جالس في مكانه ، بشكل إفتراضي و ليس جسدي .

 و نهاية ، فإن الأمر المثير للدهشة، يكمن في   أن بعض  أولياء الأمور في بلادنا ،  لا يزالوا يعيشون في الماضي السحيق ، و يعملون على حصول أولادهم على " أي شهادة و خلاص " حتى لو عن طريق الغش في وقت يتعين فيه إختيار التخصص الذي يتطلبه سوق العمل ، بشرط أن يتفوق فيه حامل الشهادة ، و إلا ستكون النتيجة أن تجد أولادك ، سواء كانوا  أولاد أو بنات  جالسون  بجانبك في المنزل يطلبون   منك مصروفهم  اليومي بعد كل ما عانيته من مشقة  نفسية ، و بدنية ، و مادية ، بأمل أن يعتمدوا على أنفسهم ليؤمنوا  مستقبلهم .