الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

علاء ثابت يكتب: الفن واستعادة قوتنا الناعمة

صدى البلد


قال الكاتب الصحفي علاء ثابت رئيس تحرير جريدة الأهرام إنه عندما استضافت جريدة الأهرام الموسيقار الكبير عمر خيرت لتكريمه، كان من الطبيعى أن يتطرق للضجة التى أثارتها أغنية حسن شاكوش "بنت الجيران" حيث تحدثا عن تلك الظاهرة التى زاد من صخبها قرار نقابة المهن الموسيقية بمنع ما بات معروفا باسم "أغانى المهرجانات"، من منطلق الغيرة على الذوق العام ومستوى الأغنية وأهدافها، والحفاظ على القيم، وغير ذلك من أسباب يمكننا فهم دوافعها, وتسائل: هل الارتقاء بالموسيقى والغناء يأتى بالمنع؟ وهل مثل هذه الأغانى تهدد المجتمع وقيمه؟
وأضاف "ثابت"، فى مقاله المنشور اليوم الجمعة بصحيفة "الأهرام" أنه إذا عدنا إلى الماضى القريب والبعيد سنجد أن أنماطا موسيقية وغنائية متنوعة المستويات والأدوات والكلمات والألحان تعايشت معا حتى إن كبار الموسيقيين والمطربين غنوا بعضها، فلكل مناسبة أغانيها، ولكل مقام مقال, فلا يمكن أن تكون أغانى الأفراح مثل أغانى حفلات الأوبرا أو ألبوم جديد لفنان له مكانته، ولم تكن الأغانى الشعبية أو غناء الملاهى الليلية قادرة يوما ما على إنهاء الغناء الراقى لقامات غنائية كبيرة، مازالت تملأ الساحة وشكلت تراثا لا يمكن محوه, لكن علينا أن نعترف بحدوث متغيرات فى المجتمع, فلا يمكن إنكار تأثير الهواتف المحمولة مثلا أو منصات التواصل الاجتماعى أو الصحافة الإلكترونية، ولكل جديد عيوب إذا أسيء استخدامه، لكن علينا دراسة هذا الجديد والعمل على تقليص مخاطره وآثاره الجانبية. وأكد رئيس تحرير الأهرام فى المقال ذاته  أن الدور الأهم هو تقديم الفن الراقى الذى يليق بما نطمح إليه من تقدم وانفتاح، وتطوير قدراتنا، لنرتقى بمكانة مصر وقوتها الناعمة.

إلى نص المقال

عندما استضفنا الموسيقار الكبير عمر خيرت، لتكريمه فى جريدة الأهرام يوم الأربعاء الماضى، كان من الطبيعى أن نتطرق للضجة التى أثارتها أغنية حسن شاكوش "بنت الجيران" وتحدثنا عن تلك الظاهرة التى زاد من صخبها قرار نقابة المهن الموسيقية بمنع ما بات معروفا باسم "أغانى المهرجانات"، من منطلق الغيرة على الذوق العام ومستوى الأغنية وأهدافها، والحفاظ على القيم، وغير ذلك من أسباب يمكننا فهم دوافعها, لكن هل الارتقاء بالموسيقى والغناء يأتى بالمنع؟ وهل مثل هذه الأغانى تهدد المجتمع وقيمه؟
إذا عدنا إلى الماضى القريب والبعيد فسنجد أن أنماطا موسيقية وغنائية متنوعة المستويات والأدوات والكلمات والألحان تعايشت معا حتى إن كبار الموسيقيين والمطربين غنوا بعضها، فلكل مناسبة أغانيها، ولكل مقام مقال, فلا يمكن أن تكون أغانى الأفراح مثل أغانى حفلات الأوبرا أو ألبوم جديد لفنان له مكانته، ولم تكن الأغانى الشعبية أو غناء الملاهى الليلية قادرة يوما ما على إنهاء الغناء الراقى لقامات غنائية كبيرة، مازالت تملأ الساحة وشكلت تراثا لا يمكن محوه, لكن علينا أن نعترف بحدوث متغيرات فى المجتمع, فلا يمكن إنكار تأثير الهواتف المحمولة مثلا أو منصات التواصل الاجتماعى أو الصحافة الإلكترونية، ولكل جديد عيوب إذا أسيء استخدامه، لكن علينا دراسة هذا الجديد والعمل على تقليص مخاطره وآثاره الجانبية.
 
وأغانى ما يسمى المهرجانات من ضمن هذا الجديد، وهى امتداد لأغان ونمط طالما انزعجنا منه، وبالغنا فى الحديث عن مساوئه، ثم قبلناه فى حدود أن له حيزا فى المجتمع. فقد عاصرت ضجة كبيرة أثارتها أغنية بعنوان "الطشت قاللى " وكان الانزعاج شديدا من مثل هذه الكلمات ثم تكرر ذلك مع ظهور أجهزة الكاسيت التى كان لها تأثيرها فى انتشار ألوان من الغناء الشعبى لم نكن نسمعه إلا فى الأفراح الشعبية, وواكب ظهور الكاسيت انتشار لون من الغناء له نجومه مثل أحمد عدوية وغيره كثيرون، وانتقلت من أفراح الأحياء الشعبية إلى ملاهى شارع الهرم وغيرها, والتى أضافت صخبا وضجة لهذا النوع من الغناء, وكان لأغنية "السح الدح امبو" نفس الصدمة, بل أكثر فليست أغنية "بنت الجيران" هى أول من ذكر فيها بعض التعبيرات الغريبة على الأغنية، بل هناك عشرات بل مئات الأغانى الشعبية المعروفة وغير المعروفة, بل وهناك ما هو أغرب منها وأكثر جرأة, وربما لأنها تتناسب مع نوع الاحتفال وحالة الجمهور الذى جاء للمشاركة فى الأفراح.
ومع الانتقال من عصر أجهزة الكاسيت إلى عصر أجهزة منسق الموسيقى المعروف باسم "الدى جي" قفزت الأغنية الشعبية إلى إيقاع أكثر سرعة وكلمات أكثر جرأة وتنوعا, فالجهاز الجديد يفوق إيقاع الطبول بتنوعه وسهولته، ومنه انطلق ما يسمى أغنية المهرجانات, فقد بادرت شركات إلى تنظيم تجمعات لمثل هذا النوع من الغناء على سبيل الترفيه وإقامتها فى أماكن مفتوحة مثل إستاد رياضى أو حديقة أو في المنتجعات والقرى السياحية, وأصبحت لها رقصاتها التى تتناسب مع الإيقاع الصاخب والسريع وكلمات مشتقة من لغة الشارع ومشكلات شبابه ونمط حياته ومفردات جديدة تظهر مع كل جديد, وعلينا تقبل هذا النوع الجديد من الغناء مع بذل الجهد لكى يتخلص من المفردات والقيم الغريبة والسلبية, وأن تكون الرقابة بالإقناع والنقد وليس بالمنع, فهذا المنع لن يوقفها, بل بالعكس سيزيد من انتشارها، فقد استفاد حسن شاكوش من تلك الضجة وأحدثت أغنيته انتشارا لم يتخيله, وأصبحت مثار جدل فى منصات التواصل الاجتماعى وسمعها عدد أكبر بكثير.
وأعود إلى حديثى مع الفنان الكبير عمر خيرت حيث اتفقنا على أن المنع ليس السبيل المناسب، وأن تشجيع الأغنية الراقية هو الطريق الأمثل، وكذلك تنظيم مهرجانات وحفلات للأغانى الراقية الجديدة والتراثية، ولدينا الوسائل الحديثة والقديمة القادرة على تقديم مواهب جديدة من الشباب الدارس الواعى الذوّاق المؤمن بدور الفن فى الارتقاء بالمشاعر والوجدان ليكون أداة بناء جيل أكثر وعيا وعطاء، ولم يكن الفنان الكبير عمر خيرت قلقا من مثل تلك الظاهرة التى طالما ظهرت على السطح, لكنها تختفى بسرعة لتظهر غيرها, بينما الفن الراقى راسخ له جمهور واسع، وفي أى زيارة للأوبرا سوف نجد جمهورا كبيرا جاء للاستماع وتذوق الفنون الراقية، وهو ما يجب أن ينتشر من الأوبرا إلى باقى مدن ومحافظات مصر, فلا تكفى دار الأوبرا فى القاهرة, بل علينا أن نبنى دورا كثيرة للعروض الفنية الراقية من موسيقى وغناء ومسرح وسينما ومهرجانات حقيقية تجذب الشباب وترتقى بذوقه, فقد كانت قصور الثقافة تلعب دورا مهما وحان الوقت لتطوير أدواتها, وأن تكون أكثر عصرية، وأن نسعى لأن تكون فى كل عاصمة محافظة دار للأوبرا، تقدم الفنون الجميلة والفرق العالمية الشهيرة والموسيقى الكلاسيكية والحديثة، وعروض الفن وغيرها من صنوف الفن الراقى، ومصر غنية بالمواهب بشكل مستمر، وتحتاج إلى من يحتضنها ويقدمها, وهو ما يمكن أن توفره الدولة بكل مؤسساتها، وألا تقتصر الحفلات الراقية على دار الأوبرا فى القاهرة فقط، والتى لا تجد فيها مكانا إلا بصعوبة, وهو ما يعنى أن لدينا جمهورا كبيرا متشوقا لمثل هذه العروض الفنية الراقية, وعندما تكون لدينا دور كثيرة فى عواصم المحافظات, بل بالمدن الكبيرة، يمكننا عندئذ أن نفتح مجالا أوسع للمواهب الجديدة وأن نرتقى بالذوق العام دون اللجوء إلى المنع كوسيلة سهلة, لكنها ليست مؤثرة ولا مناسبة لروح العصر وأدواته وطبيعة الفن الذى يحتاج إلى مناخ من الانفتاح وجدية الإبداع, وحتى ذلك الحين علينا إجراء حوارات واسعة بين منظمى تلك المهرجانات ونجومها, وأن نسعى إلى تحسين وتطوير هذا النوع من الغناء.
فالدور الأهم هو تقديم الفن الراقى الذى يليق بما نطمح إليه من تقدم وانفتاح، وتطوير قدراتنا، لنرتقى بمكانة مصر وقوتها الناعمة.