قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. أيمن فرج يكتب: من العلمين إلى الأسواق الأفريقية.. هل تستطيع مصر أن تتحول إلى مركز للتكامل الاقتصادي؟

د. أيمن فرج
د. أيمن فرج

تطل مصر على العالم عبر قناة السويس وموانئها على البحر المتوسط والبحر الأحمر، لكن بوصلة مستقبلها الاقتصادي تتجه أيضاً نحو العمق الأفريقي. فمصر تملك علاقات تاريخية وموقعاً يربط بين أسواق أفريقيا وآسيا وأوروبا، لكن المسألة اليوم تتجاوز الجغرافيا والعلاقات التاريخية؛ فالسؤال الحقيقي هو: هل تستطيع مصر أن تحول هذه المزايا إلى حضور اقتصادي أعمق وأكثر تشابكاً داخل القارة، لا كبوابة عبور فحسب، بل كمنصة للإنتاج والتمويل والتوزيع؟

ويأتي انعقاد "منتدى أفريقيا–العلمين للأعمال 2026" في هذا السياق، بالتزامن مع قمة الدول المؤسسة لوكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية "النيباد "والاجتماع التنسيقي لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي. وتكتسب هذه الرؤية أهميتها في وقت تتغير فيه خريطة الاقتصاد العالمي بسرعة، وتبحث الشركات عن أسواق جديدة وسلاسل إمداد أكثر تنوعاً. فأفريقيا لم تعد مجرد سوق واعدة، بل أصبحت واحدة من أبرز ساحات النمو الاقتصادي، بفضل تعداد سكانها الذي تجاوز 1.5 مليار نسمة ومواردها الواسعة. ومع ذلك، لا تزال التجارة البينية الأفريقية محدودة مقارنة بحجم القارة وإمكاناتها، فيما تحد فجوات التمويل والبنية التحتية من قدرتها على الاستفادة الكاملة من هذه الفرص.

1- ماذا تقول الأرقام عن نقطة البداية؟

تكشف أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن التبادل التجاري بين مصر ودول تجمع "النيباد" بلغ  1.06 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، مقابل 1.02 مليار دولار في الفترة نفسها من 2025. إلا أن هيكل هذه الزيادة يكشف أنها جاءت أساساً من ارتفاع الواردات إلى 167 مليون دولار مقابل 114 مليوناً، بزيادة 46.5%، بينما تراجعت الصادرات المصرية قليلاً إلى 891 مليون دولار مقابل 901 مليون دولار، بانخفاض 1.1%.

وتتصدر الجزائر قائمة الأسواق المستقبلة للصادرات المصرية بقيمة 566 مليون دولار، أي  64% من إجمالي الصادرات إلى دول التجمع، تليها نيجيريا 140.5 مليون دولار، ثم جنوب أفريقيا  138 مليون دولار، والسنغال 46.5 مليون دولار. وتتنوع الصادرات بين الآلات والأجهزة الكهربائية واللدائن والمحضرات الغذائية والزيوت والنحاس ومصنوعاته.

وتشير هذه الأرقام إلى وجود قاعدة تجارية يمكن البناء عليها، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن درجة من التركّز في عدد محدود من الأسواق، وهو ما يجعل تنويع الوجهات والقطاعات أحد مسارات التوسع المقبلة. كما توضح أن الانتقال إلى تكامل اقتصادي أعمق يتطلب تجاوز تصدير السلع إلى الاستثمار والإنتاج المشترك.

وقد بدأت الاستثمارات المصرية في دول تجمع «النيباد» بالفعل في التحرك في هذا الاتجاه، إذ ارتفعت إلى 251 مليون دولار خلال العام المالي 2024/2025 مقابل 143.3 مليون دولار في العام السابق، بزيادة تقارب 75%. وفي الاتجاه المقابل، ارتفعت استثمارات دول التجمع في مصر إلى  190.7 مليون دولار مقابل 39 مليون دولار، بزيادة تقارب 389%. ورغم أن هذه الأرقام لا تزال محدودة وتعكس قاعدة صغيرة وفترة مقارنة قصيرة، فإنها تشير إلى إمكانية توسيع قاعدة الشراكة الاستثمارية.

وهنا تكمن نقطة التحول الأساسية: إذا كانت التجارة هي نقطة الدخول إلى الأسواق الأفريقية، فإن الاستثمار والإنتاج المشترك هما الطريق إلى بناء سلاسل قيمة وتكامل اقتصادي أكثر استدامة.

2- لماذا مصر؟

لا تتحرك مصر في فراغ؛ فدول أفريقية أخرى تبني مراكز إقليمية للنقل والإنتاج والتمويل. فالمغرب يطور بنيته اللوجستية عبر ميناء طنجة المتوسط ويعزز الدار البيضاء مركزًا ماليًا، وتملك جنوب أفريقيا قاعدة صناعية ومالية أعمق وشركات تمتد إلى أسواق القارة، وترسخ كينيا حضورها في شرق أفريقيا بدعم من الخدمات المالية والرقمية. 

لذلك لا يكفي أن نسأل هل تستطيع مصر أن تلعب دورًا أكبر في أفريقيا؟، بل: ما الميزة التي تبني عليها هذا الدور؟ والإجابة ببساطة أن مصر تجمع بين سوق محلية كبيرة، وقاعدة صناعية وخدمية متنوعة، وموقع يربط البحرين المتوسط والأحمر، وعضوية في الكوميسا ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، واستضافة القاهرة مقر «أفريكسيم بنك». وقد يكون المغرب أقرب إلى غرب أفريقيا، وجنوب أفريقيا أعمق صناعيًا وماليًا، لكن مصر تملك ما لا يتوافر لغيرها بالقدر نفسه: القدرة على الربط بين الأسواق الأفريقية وأسواق المتوسط والخليج وآسيا.

غير أن هذه الميزة تبقى كامنة ما لم تُترجم إلى شبكات فعلية. فمصر تمتلك بنية موانئ مهمة، لكن التحدي في توسيع خطوط الشحن المنتظمة والكفؤة نحو غرب أفريقيا ووسطها وجنوبها، وربطها بمراكز لوجستية ومخازن وموانئ جافة، مع توفير أدوات تمويل وتأمين تناسب هذه الأسواق.

وقد أظهرت اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر حجم التأثر المباشر، إذ تراجعت إيرادات قناة السويس 61%، من 10.3 مليار دولار في 2023 إلى  4 مليارات دولار في 2024، قبل أن تتحسن قليلاً في 2025 لتصل إلى حوالي 4.1 مليار دولار. هذا التذبذب الحاد يؤكد أهمية بناء دور اقتصادي أوسع لا يعتمد على حركة العبور وحدها، وإنما يمتد إلى الإنتاج والخدمات اللوجستية والتمويل. فالقناة تظل أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية المصرية، لكن تعظيم العائد منها يمكن أن يرتبط بمنظومة أوسع تجعل مصر نقطة اتصال بين التجارة والإنتاج والخدمات.

3- من التصدير إلى سلاسل القيمة

لا تختزل العلاقة الاقتصادية بين مصر وأفريقيا في زيادة الصادرات؛ فالتكامل الأعمق يبدأ عندما تصبح الأسواق الأفريقية جزءاً من عملية الإنتاج نفسها. ويمكن تحقيق ذلك عبر بناء سلاسل قيمة إقليمية تتوزع حلقاتها بين مصر والدول الأفريقية، من توفير المدخلات والتصنيع والتجميع إلى التعبئة والتوزيع، في قطاعات مثل الزراعة والتصنيع الغذائي والسيارات والأدوية والنقل واللوجستيات.

ولا يعني هذا أن يقتصر الدور المصري على التصنيع، بل يمكن أن يمتد إلى التجميع والتعبئة والخدمات اللوجستية والتمويل التجاري، بما يتكامل مع توجه منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية نحو تطوير سلاسل القيمة.

وبذلك تنتقل أفريقيا من كونها سوقاً للمنتجات المصرية إلى شريك في خلق القيمة وامتداد للقاعدة الإنتاجية، بما يرفع القيمة المضافة للصادرات، ويفتح المجال أمام استثمارات وشراكات جديدة موجهة إلى الأسواق الأفريقية.

4- التوسع الذكي: أسواق مختلفة ومخاطر مختلفة

لا تحتاج مصر إلى التعامل مع أفريقيا كسوق واحدة، وإنما إلى بناء خريطة للأسواق وفق طبيعة كل اقتصاد والقطاع المستهدف ومستوى المخاطر. فأسواق الجوار، مثل ليبيا والسودان، تتيح فرصاً في الغذاء والأدوية والبناء والخدمات، بينما توفر أسواق شرق أفريقيا، مثل كينيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا، وأسواق غرب أفريقيا، مثل نيجيريا وغانا وساحل العاج والسنغال، إمكانات أوسع، وإن كانت تتطلب في بعض الحالات شراكات محلية وخطوط شحن منتظمة وأدوات مناسبة لتمويل التجارة وإدارة المخاطر.

فالقارة شديدة التنوع من حيث مستويات التنمية والبنية التحتية والبيئة الاستثمارية ونظم المدفوعات والعملات. وفي كثير من الحالات، لا تكمن العقبة في غياب الجدوى الاقتصادية للمشروع، وإنما في مخاطر التشغيل وارتفاع تكلفة التمويل وتوافر العملات الأجنبية. وقدّر البنك الأفريقي للتنمية فجوة تمويل التجارة غير الملبّاة في أفريقيا خلال 2024 بنحو 74 إلى 92 مليار دولار، بما يعادل نحو 5.4% من إجمالي تجارة السلع في القارة.

ومن هنا تبرز أهمية تأمين الصادرات والضمانات الائتمانية وتمويل سلاسل التوريد، باعتبارها جزءاً أساسياً من استراتيجية التوسع، وليس مجرد أدوات مالية مساندة. ويمكن للبنك الأفريقي للتنمية و«أفريكسيم بنك» أن يؤديا دوراً في تقاسم المخاطر وتوفير الضمانات ودعم التجارة والاستثمار عبر الحدود، خاصة مع وجود مقر «أفريكسيم بنك» في القاهرة.

ومن ثم، لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد زيادة عدد الأسواق التي تصل إليها الصادرات المصرية، وإنما اختيار الأسواق التي يمكن أن تتطور فيها العلاقة تدريجياً من التصدير إلى الاستثمار، ومن الاستثمار إلى الإنتاج والتوزيع والخدمات.

5- كيف تتحول مصر إلى مركز للتكامل؟

تحويل هذه المقومات إلى مركز فعلي للتكامل الاقتصادي يتطلب ربط عناصر قائمة بالفعل في منظومة واحدة تشمل توسيع خطوط الشحن، وربط الموانئ بالمراكز اللوجستية والموانئ الجافة، وتيسير الإجراءات الجمركية، ودعم قطاعات إنتاجية ذات قدرة تصديرية، مثل الغذاء والأدوية والأسمدة والصناعات الهندسية والخدمات الرقمية.

ويكتمل هذا الدور بتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، ليس فقط من خلال خفض الرسوم الجمركية، وإنما أيضاً عبر معالجة الحواجز غير الجمركية، وتطبيق قواعد المنشأ، وتقارب المعايير والإجراءات، بما يسهل انتقال السلع والاستثمارات بين الأسواق.

كما يمكن الاستفادة بصورة أوسع من نظام المدفوعات والتسوية الأفريقي «PAPSS» لتيسير المدفوعات العابرة للحدود، وإتاحة التسويات بالعملات المحلية في بعض المعاملات، بما يقلل الحاجة إلى العملات الوسيطة ويخفض بعض تكاليف التحويل.

وبذلك لا يصبح الموقع الجغرافي وحده مصدر الميزة، بل تتحول مصر إلى منصة متكاملة تربط النقل والإنتاج والتمويل والمدفوعات والأسواق، بما يعزز قدرة الشركات المصرية على التوسع في أفريقيا والمشاركة في سلاسل القيمة الإقليمية.

6- ما بعد العلمين

لن يُقاس نجاح «منتدى أفريقيا–العلمين للأعمال 2026» بعدد البيانات أو البروتوكولات الموقعة، وإنما بما سيأتي بعده فهل تتحول اللقاءات إلى عقود؟ وهل تتحول العقود إلى مشروعات؟ وهل تتطور هذه المشروعات إلى سلاسل إنتاج وتجارة مستدامة؟

وتزداد أهمية هذا السؤال مع وجود آلية لمتابعة الالتزامات والتوصيات والاتفاقيات والمشروعات المنبثقة عن المنتدى، بما يساعد على تحويل المخرجات إلى خطوات قابلة للقياس والتنفيذ.

فالمنافسة الاقتصادية المقبلة لن تكون بين الدول فحسب، بل بين الشبكات التي تربط النقل والتمويل والإنتاج والمعلومات والأسواق. والدول الأكثر قدرة على بناء هذه الشبكات وربطها بكفاءة ستكون أقدر على جذب الاستثمار وتوسيع تجارتها وتعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية.

وتملك مصر قاعدة مهمة للانطلاق تتمثل فى موقع استراتيجي، وقناة السويس، وموانئ، وقدرات إنتاجية وخدمية، وعلاقات تجارية واستثمارية قائمة بالفعل مع دول القارة. لكن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الصفقات المنفردة إلى الشراكات المؤسسية، ومن تصدير المنتجات إلى بناء سلاسل قيمة مشتركة، ومن الاستفادة من الموقع إلى صناعة شبكة اقتصادية متكاملة.

فالمسألة في النهاية ليست ما إذا كانت مصر تملك موقعاً استراتيجياً، وإنما كيف تستطيع تحويل هذا الموقع من ميزة طبيعية إلى قوة اقتصادية مكتسبة، وشبكة تعمل بكفاءة وتنتج قيمة مستدامة لمصر وشركائها في القارة.