المشكلة الحقيقية في الذكاء الاصطناعي ليست أنه أصبح قادرا على التفكير بصورة أسرع من الإنسان، وإنما أن الإنسان نفسه بدأ يمنحه مساحة متزايدة ليقرر عنه ماذا يقرأ، وماذا يشاهد، ومن يسمع، وربما في المستقبل ماذا يشعر ويعتقد.
العالم يقف أمام تحول لن يشبه أي تحول تقني سابق. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد برنامج نستخدمه لإنجاز مهمة، بل أصبح طرفا جديدا في تفاصيل الحياة اليومية، يجيب عن الأسئلة، يصنع المحتوى، يحلل السلوك، ويتعلم من تفاعلنا معه.
وهنا يجب أن نتوقف للحظة ونسأل: هل نحن من يستخدم التكنولوجيا، أم أن التكنولوجيا بدأت تستخدم معرفتها بنا للتأثير فينا؟.
كل نقرة، وكل بحث، وكل تفاعل رقمي يمكن أن يتحول إلى معلومة تساعد الأنظمة الذكية على فهم اهتمامات الإنسان وطريقة تفكيره وتفضيلاته.
ومع تطور هذه التقنيات، لن تكون المسألة مرتبطة فقط بمعرفة ما نريد، وإنما بقدرتها المحتملة على توقع ما قد نريده قبل أن نعرفه نحن.
وهذا التطور يفرض قضية أكبر من مجرد حماية البيانات. نحن أمام سؤال يتعلق بالخصوصية الإنسانية نفسها، وبالحدود التي يجب ألا تسمح التكنولوجيا بتجاوزها.
أخشى أن يأتي وقت لا نبحث فيه عن المعلومات، بل تصل إلينا المعلومات التي اختارتها لنا الخوارزميات، وقد يبدو الأمر مريحا في البداية، لماذا أبحث عن فيلم مناسب إذا كان النظام يعرف ذوقي؟ ولماذا أبحث عن الأخبار إذا كانت الخوارزمية تستطيع اختيار ما يهمني؟.
عندما يصبح الإنسان محاطا دائما بالمحتوى الذي يتوافق مع اهتماماته وأفكاره، فقد يفقد تدريجيا فرصة رؤية الرأي المختلف، وسماع الحجة الأخرى، واكتشاف أن العالم أكبر من الدائرة الرقمية التي صنعتها الخوارزميات حوله.
أنا لا أرى أن الخوف من الذكاء الاصطناعي هو الحل، كما أن محاولة إيقاف التطور التكنولوجي ليست واقعية، ويجب أن نعلم أبناءنا أن الذكاء الاصطناعي أداة وليس عقلا بديلا، وأن الإجابة التي تقدمها الآلة ليست بالضرورة حقيقة، وأن سرعة الوصول إلى المعلومة لا تعني امتلاك القدرة على فهمها.
والأهم أن نحافظ على المساحة التي تجعل الإنسان إنسانا: التفكير، والشك، والتعاطف، والاختلاف، والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته.
المستقبل لن يكون بالضرورة معركة بين الإنسان والآلة، وإنما اختبارا لقدرة الإنسان على استخدام قوة جديدة دون أن يفقد ذاته، وكلما أصبحت التكنولوجيا أكثر ذكاء، يجب أن نصبح نحن أكثر وعيا.
فالآلة يمكن أن تتعلم ملايين المعلومات، لكنها لا تتحمل مسؤولية القرار الأخلاقي مكان الإنسان. ويمكنها أن تتوقع سلوكنا، لكنها لا ينبغي أن تحدد لنا من نكون.
وفي النهاية، السؤال الأصعب ليس: إلى أي مدى سيصبح الذكاء الاصطناعي ذكيا؟
السؤال الأهم هو: إلى أي مدى سنظل نحن قادرين على التفكير بأنفسنا؟.