لا تقاس نجاحات معارض الكتاب العالمية بحجم الزوار والمبيعات فقط لكن نجاحها الحقيقي يقاس بقدرتها على تكوين أجيال تقرأ باستمرار وتمتلك أدوات التفكير النقدي. فهذا هو المبتغى الحقيقي من القراءة وعالم النشر.
ومع اقتراب انطلاق الدورة الخامسة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب، خلال الفترة من 4 إلى 15 نوفمبر المقبل، لا يبدو السؤال الأهم هو عدد دور النشر المشاركة أو حجم الفعاليات أو أسماء الكتّاب الذين سيلتقون جمهورهم، على أهمية كل ذلك طبعا، بل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعا: ماذا ننتظر من معرض أصبح أحد أبرز المنصات الثقافية العربية.. وكيف يمكن أن تتحول نجاحاته إلى أثر مستدام في مستقبل المعرفة وصناعة الكتاب والنشر؟
شاركت في المعرض خلال السنوات الماضية نحو 8 مرات، فهو تجربة تستحق التأمل.. فالكتاب هنا ليس مجرد منتج تجاري.. والمعرض ليس مناسبة سنوية عابرة.. وإنما مساحة تلتقي فيها الثقافة بالتنمية.. والهوية بالحوار الإنساني.. والإبداع بفرص الاستثمار في المستقبل. ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الحقيقي على دورة 2026 يتمثل في توسيع أثر المعرض إلى ما هو أبعد من أيام انعقاده.
أول ما ننتظره هو زيادة دعم صناعة النشر العربية.. فما زالت هناك فجوة بين جودة كثير من الإبداعات العربية وقدرتها على الوصول إلى القراء خارج أسواقها المحلية.. نحتاج أيضا إلى توسيع فرص ترجمة الكتب العربية وتسويق حقوقها دوليا وتعزيز الشراكات بين الناشرين والوكلاء الأدبيين وتطوير آليات التوزيع الرقمي. ومن المهم أن تصبح اللقاءات المهنية منصة لاتفاقات تستمر نتائجها طوال العام، لا مجرد فرص للتعارف وتبادل الخبرات.
وثاني ما ننتظره هو أن يظل القارئ محور المشروع الثقافي. وهذا يتطلب ربط المعرض بالمدارس والجامعات والمكتبات العامة والأسر، وإطلاق مبادرات تضمن استمرار العلاقة بالكتاب بعد انتهاء الفعاليات.
أما مشاركة سلطنة عمان ضيف شرف، فتمثل فرصة لتعميق الحوار الثقافي الخليجي والعربي، والتعريف بالأدب العماني وتراثه وإبداعاته المعاصرة. والأهم أن يتحول هذا الحضور إلى مشروعات تعاون في النشر والترجمة والبرامج الثقافية المشتركة بما يجعل الثقافة جسرا دائما بين المجتمعات.
وننتظر كذلك أن تحظى التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي بمكانة في النقاشات المهنية.. ليس باعتبارها بديلا عن الكاتب والكتاب، بل أدوات تتيح فرصا جديدة للترجمة والوصول إلى المعرفة، شريطة حماية الملكية الفكرية وضمان جودة المحتوى ومصداقيته.
وأخيرا.. فإن القيمة الأعمق لمعرض الشارقة الدولي للكتاب تكمن في قدرته على الربط بين المعرفة والتنمية.. فالكتاب استثمار في الإنسان.. والقراءة أساس لبناء الوعي.. والثقافة عنصر رئيسي في قدرة المجتمعات على الابتكار ومواجهة تحديات المستقبل.
في النهاية .. ما ننتظره من معرض الشارقة في 2026 ليس دورة ناجحة أخرى فحسب بل خطوة جديدة نحو صناعة نشر عربية أكثر قدرة على المنافسة.. ومجتمع أكثر ارتباطا بالقراءة.. وثقافة عربية أكثر حضورا وتأثيرا في العالم. فالمعرض الذي يجمع العالم حول الكتاب.. تكتمل رسالته حين يجعل الكتاب جزءا من حياة الناس.
محمد مندور يكتب: الشارقة وصناعة المعرفة