قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

شحاته السيد يكتب: حين يتحول الكفن إلى وعد بالحياة.. البداري تنتصر للإنسان

شحاتة السيد
شحاتة السيد

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

توقفت طويلاً هذا الأسبوع أمام خبر قادم من البداري، خبر يمكن أن يمر في زحام الأخبار باعتباره جلسة صلح بين عائلتين، لكنه حين يستقر في القلب يفتح سؤالاً أكبر من تفاصيله، كم يحتاج الإنسان من الشجاعة حتى يضع نهايةً لألم ورثه، ويقرر أن أبناءه لن يرثوا الخوف نفسه؟

في قرية عرب مطير بمحافظة أسيوط، تصالحت عائلتا البيجاوي والأزرق، وقُدِّمت أربعة أكفان من عائلة البيجاوي إلى عائلة الأزرق، لتُطوى صفحة خصومة ثأرية امتدت سنوات طويلةً، جرى ذلك يوم السبت، العاشر من أكتوبر، بحضور القيادات الأمنية ورجال المصالحات والقيادات الدينية والأهالي، هذه هي الواقعة كما نقلتها التغطيات الصحفية.
أما المعنى الذي ظل يشغلني فكان شيئاً آخر، كيف يتحول الكفن، وهو العلامة التي اعتدنا أن نربطها بانتهاء الحياة، إلى علامة على حمايتها، وكيف تصبح قطعة القماش البيضاء في لحظة صلح إعلاناً بأن الدم لن يكون جواباً عن الدم، وأن المستقبل يستحق أن يتحرر من قبضة الماضي؟

تأمل معي عزيزي القارئ هذه المفارقة، الكفن لا يعيد من رحلوا، والصلح لا يمحو الوجع، ولا يجعل الذاكرة خاليةً من آثارها، لكنه يمنح الأحياء فرصةً ألَّا يضيفوا إلى الفقد فقداً جديداً، هنا تحديداً تبدو قيمة العفو، فهو لا يطلب من الإنسان أن ينكر حزنه، وإنما أن يمنع حزنه من التحول إلى حكم مؤبد على حياة آخرين.
أحسب أن الثأر يبدأ حين يتوهم الإنسان أن مقتل إنسان آخر يمكن أن يصلح غياب إنسان أحبه، ثم تتسع الدائرة حتى يصبح الماضي صاحب القرار، ويُطالَب الابن بأن يحمل خصومةً لم يصنعها، ويُختزل اسم العائلة في موقف من عائلة أخرى، عند هذه اللحظة لا يخسر المجتمع أرواحاً فحسب، يخسر قدرته على تخيل غد مختلف، ويصبح الانتماء الذي يفترض أن يمنح الإنسان سنداً عبئاً يدفعه نحو الخوف.

ولهذا لا أرى صلح عرب مطير خبراً عن انتهاء خلاف محليّ فحسب، أراه سؤالاً عن قدرتنا على إعادة تعريف القوة، هل القوي هو من يظل أسيراً لغضبه، أم من يملك أن يوقفه، وهل تُصان كرامة العائلة بإطالة الخصومة، أم بحماية أبنائها من أن يصبحوا وقوداً لها؟

أسهمت الأجهزة الأمنية في تنظيم هذا الصلح وإنجاحه، بالتنسيق مع رجال المصالحات، وفي مثل هذه اللحظات يقترب الأمن من معناه الإنساني الأعمق، أن يشعر المواطن بأن هناك دولةً تحمي حياته، وأن الاحتكام إلى القانون طريق إلى الأمان.
إن منع جريمة محتملة عمل لا نعرف عدد الأرواح التي يحفظها، وقد لا يظهر أثره في إنجاز معلن، لأن قيمته تكمن في ألم لم يقع وحياة لم تُفقد.
كنت قد طرحت عبر صدى البلد في مقال سابق بعنوان «هل يقود المحافظ ومدير أمن أسيوط ملف المصالحات الثأرية من جديد؟» سؤال الانتقال من السيطرة الأمنية على النزاع إلى صناعة السلام الاجتماعي، ودعوت إلى رعاية أمنية جادة للمصالحات تحمي الاتفاقات من الانهيار عند أول خلاف، وإلى أن تصبح البداري نقطة انطلاق لمشروع مصالحة يتسع لبقية مراكز أسيوط، واليوم أرى في صلح عرب مطير خطوةً على هذا الطريق، وصورةً عمليةً تمنح تلك الدعوة معناها، وتذكرنا بأن الأمل يصبح أكثر قيمةً حين يجد طريقه إلى حياة الناس.

حماية الإنسان غاية يتسع لها الجميع، والسلام مسؤولية مشتركة لا يحملها طرف وحده، وقدمت عائلة البيجاوي الأكفان، وقبلت عائلة الأزرق الصلح، واختار الطرفان أن يكون العفو بدايةً جديدةً، هنا اجتمعت الجهود مع القرار، حتى أصبح الاتفاق ممكناً، أصبحت له صورة يراها الناس، لكن الاحتفاء بالصلح لا ينبغي أن يدفعنا إلى الاحتفاء بالثأر نفسه، أو تصويره كأنه قدر ملازم للصعيد، ما ينبغي أن نحافظ عليه في عادات الناس هو ما يحفظ كرامتهم ويصون حياتهم، أما ما يستنزف الدم ويورِّث الخوف فيحتاج إلى مراجعة شجاعة.

في هذا المشهد تظهر قدرة المجتمع على اختيار ما يعينه على الحياة، وترك ما يثقله، إن الصلح الاجتماعي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه بديلاً عن العدالة، ولا أن يصبح غطاءً لضياع الحقوق أو إكراه على العفو، قيمة التسامح تأتي من حريته، وقوة السلام تأتي من احترام القانون، نحن نحتاج إلى الأمرين معاً، دولة تحمي الحقوق، ومجتمع يفتح باب التعايش، وحين يلتقيان يستطيع الإنسان أن يطمئن إلى أن ترك الانتقام لا يعني ترك الحماية، وأن اختيار الصفح لا يجعله وحيداً في مواجهة الخوف.

ولا يكتمل الحديث عن البداري دون أن نذكر وجهها الآخر، فهو من أهم مراكز زراعة الرمان في مصر، ويتصدر مراكز أسيوط في المساحة المزروعة، ويجد رمانه طريقه إلى أسواق عربية وأجنبية، وقد وصف محافظ أسيوط الرمان بأنه من أهم المحاصيل الاستراتيجية التي تشتهر بها المحافظة، وذكر في مايو 2025 أن مصنعاً متكاملاً لمنتجاته يقام بالمنطقة الصناعية في الكوم الأحمر بمركز البداري، بالتعاون مع هيئة تنمية الصعيد، على مساحة أربعين فداناً تبدأ مرحلته الأولى بعشرة أفدنة، بخطوط لعصير الرمان ودبسه ومنتجاته المجففة، بهدف إضافة قيمة لهذا المحصول وفتح آفاق جديدة للتصدير.

وفي الطريق إلى قرى البداري مشروعات المبادرة الرئاسية حياة كريمة، وهذه هي التنمية الشاملة كما أفهمها، أن تتجاور الأرض التي تثمر مع الإنسان الذي يأمن، فلا تستقر تنمية في أرض يهددها الثأر، ولا يطمئن فلاح ولا مستثمر إلى غد يخيفه خلاف قديم، ويبقى وعد الدولة بالتنمية أقوى حين يسنده أمن واستقرار بين الناس، ولهذا أرى الصلح أول أساس للتنمية الشاملة، وليس شأناً اجتماعياً فحسب، فهل نملك أن نرى في الرمان الأحمر لوناً للحياة بدلاً من لون الدم؟

ولعل السؤال الأهم يبدأ بعد انتهاء المراسم، كيف نحمي هذا الصلح من أن يبقى صورةً جميلةً ثم يغادر الحياة اليومية؟ أرى أن الاحتفاء ينبغي أن يصاحبه استمرار التواصل بين العائلتين، ومتابعة أمنية ومجتمعية، وتدخل مبكر إذا ظهر خلاف جديد، وبقية الخصومات تحتاج إلى وقفة جادة مثل هذه، تتضافر فيها جهود الأمن ورجال المصالحات والعائلات، حتى نكون محافظةً بلا ثأر، فالسلام يحتاج إلى رعاية بعد ميلاده، وإلى من يتذكرون أن نجاح اللقاء لا يُغني عن حماية ما اتُّفق عليه.

وأظن أن أعظم ما تمنحه المصالحة للإنسان هو استعادة حقه في الاختيار، أن يخرج من دائرة قيل له إنها لا تنتهي، وأن يكتشف أن النهاية ممكنة إذا اتفقت الإرادات على صنعها، إن الذين يختارون الصلح لا يتخلون عن أهلهم، إنهم يحمون أهلهم الذين ما زالوا على قيد الحياة، ويمنحون أبناءهم فرصةً لأن يكتبوا حكايةً أخرى، الماضي يستحق أن نفهمه، لكنه لا يستحق أن نمنحه سلطةً مطلقةً على غدنا، وعلى أعمار لم تبدأ بعد، وعلى أحلام لم تجد طريقها إلى النور بعد.

وحين أعود إلى الأكفان الأربعة، أجدني أقل انشغالاً بعددها وأكثر انشغالاً بما يمكن أن تمنعه، إننا حين نوقف الخصومة لا نغلق ملفاً فقط، نحن نفتح للناس مساحةً يعيشون فيها دون أن يكون الغضب القديم هو الذي يختار لهم خطواتهم، وأرجو أن يصبح ما حدث في عرب مطير بدايةً تتسع، وأن يُقرأ باعتباره انتصاراً للحياة يستحق أن نحميه.