قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د.محمد عسكر يكتب: الهجمات السيبرانية.. تهديد متصاعد لأمن الغذاء والاقتصاد والأمن القومي

د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبراني
د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبراني

لم تعد الهجمات السيبرانية مجرد معارك خفية تدور خلف شاشات الحواسيب ولا مجرد محاولات لسرقة البيانات أو الاستيلاء على الحسابات المصرفية بل أصبحت قادرة على الانتقال من العالم الرقمي إلى الواقع المادي لتصيب قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بحياة الإنسان وسلامة المجتمع. ولعل الهجوم الذي استهدف أنظمة التبريد في عدد من المتاجر الفرنسية خلال أكتوبر 2026 يقدم نموذجا لافتا لهذا التحول إذ تحولت معدات يفترض أن تحافظ على سلامة الأغذية إلى نقطة ضعف تقنية تسببت في خسائر مادية وأثارت تساؤلات مهمة بشأن أمن البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها المؤسسات التجارية الحديثة.
وتكمن أهمية هذه الواقعة في أنها تكشف عن طبيعة جديدة للمخاطر التكنولوجية لم يعد فيها اختراق الحواسيب مقتصرا على سرقة المعلومات أو تعطيل المواقع الإلكترونية بل أصبح قادرا على التأثير في طريقة عمل الأجهزة والمعدات التي تدير جوانب أساسية من حياتنا اليومية. فالثلاجة التجارية الحديثة لم تعد مجرد جهاز كهربائي وظيفته الحفاظ على برودة الطعام وإنما أصبحت منظومة ذكية تعتمد على وحدات تحكم إلكترونية وبرمجيات تتيح مراقبة درجات الحرارة وإدارة دورات التشغيل وتنظيم عمليات إزالة الجليد وإجراء الصيانة عن بعد. وهذه الإمكانات تحقق قدرا كبيرا من الكفاءة والمرونة لكنها تفتح في الوقت نفسه مجالا لمخاطر جديدة إذا لم تكن أنظمة التحكم مؤمنة بصورة كافية.
وبحسب ما تناولته التقارير الصحفية بشأن الحادثة الفرنسية فقد استهدف الهجوم أنظمة التحكم في التبريد داخل مئات المتاجر وأدى التلاعب بإعدادات بعض المعدات إلى ارتفاع درجات الحرارة في وحدات التبريد إلى مستويات غير طبيعية وصلت في بعض الحالات إلى نحو خمسين درجة مئوية. وقد ترتب على ذلك إتلاف منتجات غذائية ووقوع خسائر تجارية فيما استمرت التحقيقات لتحديد المسؤولين عن الهجوم والكيفية الدقيقة التي نُفذ بها. ومن المهم هنا التمييز بين المعلومات التي نشرتها التقارير الأولية والنتائج النهائية للتحقيقات الفنية حتى لا ننسب إلى المهاجمين أساليب أو دوافع لم تثبت بصورة قاطعة.
ومن الناحية التقنية يمكن فهم ما حدث من خلال طبيعة الأنظمة التي تدير المعدات الحديثة. فعندما تكون وحدة التحكم متصلة بالإنترنت لتتيح المتابعة والصيانة عن بعد فإنها تحتاج إلى حماية دقيقة تمنع الوصول غير المصرح به. وإذا كانت هذه الوحدة تعمل ببرمجيات قديمة أو تستخدم إعدادات أمنية ضعيفة أو تسمح بالوصول إليها دون قيود كافية فقد تصبح هدفا محتملا للاستغلال. وعند نجاح المهاجم في الوصول إلى النظام وامتلاكه الصلاحيات المناسبة قد يتمكن من تغيير الأوامر التي ينفذها الجهاز بدلا من الاكتفاء بمشاهدة بياناته أو سرقتها. وهنا يتحول الاختراق الرقمي إلى ضرر مادي ملموس قد يبدأ بتغيير إعدادات جهاز وينتهي بإفساد أطنان من الأغذية أو تعطيل منشأة تجارية.
ولا يعني ذلك أن كل جهاز متصل بالإنترنت معرض حتما للاختراق أو أن السيطرة على جهاز واحد تمنح المهاجم تلقائيا القدرة على التحكم في بقية الأجهزة. فمستوى الخطر يتوقف على طبيعة النظام وتصميم الشبكة ومدى الفصل بين أجزائها وقوة وسائل الحماية وصلاحيات الوصول المتاحة. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الاتصال غير المؤمَّن يوسع مساحة التعرض للمخاطر ويجعل بعض الأجهزة التي تبدو بسيطة في ظاهرها نقاطا محتملة للدخول إلى منظومات أكثر أهمية.
ولعل أبرز ما تكشفه هذه الواقعة أن الأمن السيبراني لم يعد مسألة تخص الحواسيب وقواعد البيانات وحدها بل أصبح جزءا من حماية الاقتصاد والأمن الغذائي واستمرارية الخدمات. فالمتاجر الكبرى تعتمد على أنظمة رقمية لإدارة المخازن وسلاسل التبريد والمبيعات والمراقبة بينما تستخدم المصانع أنظمة تحكم في درجات الحرارة والضغط وسرعة خطوط الإنتاج وتحتاج المستشفيات إلى بنية تقنية تضمن استمرار عمل المعدات والخدمات الحيوية. وإذا تعرضت هذه المنظومات للاختراق فقد تتجاوز النتائج حدود الخسائر المالية لتصل إلى تعطيل الخدمات أو إفساد المنتجات أو تعريض سلامة العاملين والمستهلكين للخطر.
وفي هذا السياق تبرز أهمية الربط بين الأمن السيبراني والأمن القومي بمفهومه الحديث. فالأمن القومي لم يعد مقتصرا على حماية الحدود والمنشآت العسكرية وإنما يشمل أيضا حماية البنية التحتية التي تضمن استمرار تدفق الغذاء والطاقة والمياه والدواء والخدمات الأساسية. ولا يعني ذلك أن كل هجوم على منشأة تجارية يمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي بل إن الخطورة تتحدد بحسب حجم الهجوم وطبيعة القطاع المتضرر ومدى قدرته على التأثير في الخدمات الحيوية. غير أن الحادثة الفرنسية تقدم إنذارا يستحق الاهتمام بشأن ما يمكن أن يحدث عندما تصبح قطاعات أساسية معتمدة على أجهزة متصلة بالشبكة دون توفير الحماية المناسبة لها.
وتزداد أهمية هذا الملف مع التوسع في استخدام إنترنت الأشياء الذي يربط الأجهزة والمعدات بالإنترنت لتبادل البيانات وتنفيذ الأوامر. فالكاميرات الذكية والأقفال الإلكترونية وأجهزة التكييف وأنظمة الإنذار والمعدات الصناعية والطبية أصبحت جزءا من بيئة رقمية مترابطة. وهذه البيئة توفر مزايا كبيرة في الإدارة والتشغيل لكنها تفرض مسؤوليات إضافية تتعلق بتأمين الأجهزة وتحديث برمجياتها ومراقبة الاتصالات التي تجري بينها. وفي المنازل مثلا قد يؤدي ضعف حماية جهاز ذكي إلى كشف بيانات أو إتاحة الوصول غير المصرح به إليه لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المهاجم يستطيع التحكم في جميع أجهزة المنزل. ويتوقف الأمر على تصميم الشبكة ومستوى العزل بين الأجهزة والصلاحيات التي يمتلكها المهاجم.
ومن الأخطاء التي قد تزيد مخاطر الاختراق ترك كلمات المرور الافتراضية دون تغيير أو استخدام كلمات مرور ضعيفة ومكررة أو السماح بالوصول عن بعد إلى الأجهزة دون ضوابط مناسبة. كما أن استمرار تشغيل معدات قديمة لا تتلقى تحديثات أمنية قد يترك ثغرات معروفة دون معالجة. ومن المشكلات المهمة أيضا ربط أنظمة التحكم الحساسة بشبكات الموظفين والأجهزة المكتبية دون فصل كاف وهو ما قد يسمح بانتقال الهجوم من جهاز إلى آخر إذا تمكن المهاجم من اختراق نقطة داخل الشبكة.
ومع ذلك فإن تغيير كلمات المرور وحده لا يكفي لحماية المنظومة. فالأمن الفعال يتطلب مجموعة من الإجراءات المتكاملة تبدأ بحصر جميع الأجهزة المتصلة بالإنترنت ومعرفة إصدارات برمجياتها والجهات المسؤولة عن صيانتها ثم تحديث الأنظمة وفق تعليمات الشركات المصنعة وتقييد الوصول عن بعد واستخدام المصادقة متعددة العوامل حيثما كانت متاحة وإغلاق منافذ الاتصال غير الضرورية. كما ينبغي فصل شبكات التحكم الصناعي عن شبكات الاستخدام المكتبي قدر الإمكان ومراقبة أي تغييرات غير معتادة في إعدادات الأجهزة وتسجيل محاولات الدخول المشبوهة.
وتكتسب أنظمة الإنذار المبكر أهمية خاصة في حالة معدات التبريد لأنها تسمح باكتشاف المشكلة قبل أن تتحول إلى خسائر كبيرة. فمن الضروري مراقبة درجات الحرارة بصورة مستمرة وإطلاق تنبيهات فورية عند تجاوز الحدود الآمنة أو ظهور تغيرات غير طبيعية في دورات التشغيل. ومن الأفضل ألا تعتمد المؤسسة على نظام التحكم نفسه وحده لاكتشاف الخلل بل أن توفر وسائل مستقلة للتحقق من سلامة ظروف التشغيل. كما يجب أن تكون لديها خطة واضحة للاستجابة للحوادث تشمل عزل الأنظمة المتأثرة والتحقق من سلامة المنتجات وحفظ الأدلة الرقمية واستعادة التشغيل بطريقة آمنة.
ولا تقل مسؤولية الشركات المصنعة أهمية عن مسؤولية المؤسسات التي تستخدم الأجهزة. فالشركة المصنعة مطالبة بتصميم منتجات آمنة وتوفير التحديثات الأمنية والتحذيرات اللازمة بصورة واضحة بينما تتحمل المؤسسة المشغلة مسؤولية تركيب الأجهزة وصيانتها وتأمينها ومتابعة التحديثات المتاحة. أما مزودو خدمات الصيانة والإدارة عن بعد فيجب أن يلتزموا بضوابط صارمة تمنع إساءة استخدام صلاحياتهم أو تحول حساباتهم إلى مدخل للاختراق. ويصبح التعاون بين هذه الأطراف ضرورة لا غنى عنها لأن أمن الجهاز لا ينتهي عند بيعه أو تركيبه بل يستمر طوال دورة حياته التشغيلية.
ويبرز الذكاء الاصطناعي في هذا السياق باعتباره أداة يمكن أن تزيد قدرات المهاجمين على أتمتة بعض المهام وتحليل الأنظمة لكنها تمنح المدافعين أيضا وسائل أكثر تطورا لرصد السلوك غير الطبيعي واكتشاف الأنماط المشبوهة والاستجابة السريعة للحوادث. ومع ذلك لا ينبغي افتراض استخدام الذكاء الاصطناعي في كل هجوم حديث دون أدلة واضحة. فالعامل الحاسم في كثير من الحالات يظل مدى الالتزام بأساسيات الأمن السيبراني وكفاءة إدارة المخاطر والقدرة على اكتشاف الاختراق واحتوائه قبل اتساع آثاره.
أما بالنسبة إلى مصر والمنطقة العربية فإن هذه الحادثة تستحق أن تكون مناسبة لمراجعة إجراءات حماية أنظمة التبريد في المتاجر والمخازن الغذائية ومصانع الأغذية والأدوية وغيرها من المنشآت التي تعتمد على التحكم الرقمي. ولا يعني ذلك أن حادثة مماثلة وقعت في هذه الأسواق بل إن طبيعة التكنولوجيا المستخدمة تجعل الاستعداد الوقائي ضرورة منطقية. ومن المهم أن تتعاون الجهات التنظيمية والمؤسسات التجارية ومزودو التكنولوجيا على وضع معايير واضحة لتأمين الأجهزة المتصلة بالإنترنت وتبادل التحذيرات المتعلقة بالثغرات وتدريب العاملين على التعامل مع الحوادث الرقمية.
كما ينبغي ألا يقتصر الاستثمار في الأمن السيبراني على المؤسسات الكبرى وحدها. فالمحال الصغيرة والمخازن المستقلة قد تعتمد هي الأخرى على أنظمة تبريد متصلة بالإنترنت لكنها لا تمتلك دائما فرق دعم فني متخصصة. ويمكن مساعدتها من خلال إرشادات أمنية مبسطة وبرامج توعية وخدمات صيانة موثوقة ومعايير واضحة يلتزم بها موردو الأجهزة. فرفع مستوى الحماية في المؤسسات الصغيرة يقلل فرص استغلالها كنقاط ضعف ويعزز أمن القطاع بأكمله.
إن الدرس الأعمق الذي تقدمه هذه الواقعة هو أن التحول الرقمي لا يكتمل بمجرد ربط الأجهزة بالشبكة وإنما يكتمل عندما تصبح هذه الأجهزة قادرة على العمل بأمان واستمرارية. فالتكنولوجيا ليست خطرا في ذاتها وإنما تتزايد مخاطرها عندما تتوسع المؤسسات في استخدامها دون أن تطور في الوقت نفسه قدراتها على تأمينها ومراقبتها وصيانتها. ومن ثم فإن الأمن السيبراني يجب أن ينظر إليه باعتباره استثمارا في استقرار الأعمال وحماية المستهلك وثقة المجتمع وليس مجرد تكلفة إضافية تتحملها المؤسسة.
لقد أصبح من الممكن أن تبدأ أزمة مادية من ثغرة رقمية صغيرة وأن يتحول أمر إلكتروني غير مشروع إلى خسارة اقتصادية أو تهديد لسلامة المنتجات. ولهذا فإن المجتمعات الأكثر استعدادا للمستقبل لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر عدد من الأجهزة الذكية وإنما تلك التي تمتلك القدرة على حمايتها وإدارة مخاطرها والتدخل السريع عند تعرضها للتهديد. فحماية الغذاء والطاقة والدواء والخدمات الأساسية قد تبدأ اليوم من إجراء تقني بسيط مثل تحديث برنامج أو إغلاق منفذ اتصال غير ضروري أو تفعيل إنذار مبكر. لكنها في جوهرها تعبر عن مسؤولية حضارية أوسع تتمثل في ضمان أن تظل التكنولوجيا أداة للتقدم والرفاهية لا مدخلا جديدا للاضطراب والخطر.