قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. هبة محمد عيد تكتب: كيف نعلّم أبناءنا فن اختيار الصديق؟

د. هبة محمد عيد
د. هبة محمد عيد

الصداقة ليست مجرد وقت يقضيه الأبناء مع أقرانهم ، بل علاقة قد تترك أثراً عميقاً في أفكارهم وسلوكهم وطريقة رؤيتهم لأنفسهم وللحياة. فالصديق قد يفتح أمام صاحبه طريقاً إلى النجاح، وقد يدفعه، من حيث لا يشعر، إلى عادات لا تشبهه. ولهذا قال رسول الله ﷺ: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» فاختيار الصديق مسؤولية تستحق الوعي والاهتمام.

لا يحتاج الأبناء إلى والدين يراقبان كل خطوة في علاقاتهم، بقدر ما يحتاجون إلى بيت يشعرون فيه بالأمان، ويستطيعون أن يتحدثوا فيه دون خوف من اللوم. ويبدأ هذا الأمان من القدوة فالطفل الذي يرى والديه يحترمان الناس، ويحفظان أسرارهم، ويختلفان معهم بأدب، يتعلم معنى الصداقة من الحياة اليومية قبل أن يسمعه في نصيحة.

ويختلف توجيه الطفل عن توجيه المراهق. فالطفل الأصغر يحتاج إلى كلمات واضحة وبسيطة، تساعده على فهم أن الصديق الجيد هو من يشاركه دون أن يؤذيه، ويعتذر عندما يخطئ، ولا يسخر من الآخرين. ويمكن للأم أن تتعرف إلى أصدقائه من خلال دعوتهم إلى المنزل وملاحظة تعاملهم أثناء اللعب، دون أن تحوّل الأمر إلى تحقيق أو مراقبة مزعجة.

أما المراهق، فهو يحتاج إلى أن يشعر بأن رأيه مسموع وأن شخصيته موضع احترام. لذلك من الأفضل أن نتحاور معه بدل أن نملي عليه اختياراته، وأن نسأله بهدوء هل تشعر بالراحة مع هذا الصديق؟ هل يحترمك عندما تختلف معه؟ هل يشجعك على ما ينفعك أم يستهين بأهدافك؟ فهذه الأسئلة تساعده على اكتشاف قيمة علاقاته بنفسه، وتجعله أكثر قدرة على اتخاذ قرار ناضج.

ولا ينبغي أن ينخدع الأبناء بالشعبية أو كثرة الأصدقاء أو الجرأة الظاهرة فالصديق الحقيقي لا يقاس بعدد المتابعين، بل بما يتركه في نفوسنا من طمأنينة واحترام فهو من يحفظ السر، ويفرح لنجاح صديقه، وينصحه دون أن يهينه، ولا يضغط عليه ليكذب أو يؤذي غيره أو يتخلى عن مبادئه. أما السخرية المستمرة، والتهديد، واستغلال الأسرار، ومحاولة العزل عن الأسرة، والدفع إلى سلوك خطر، فهي علامات لا ينبغي تجاهلها.

ومن المفيد أن تراقب الأسرة أثر الصداقة في الابن بدل أن تفتش في تفاصيل حياته كلها. فإذا بقي متزناً محتفظًا بعلاقته بأسرته، ومهتماً بدراسته وواجباته، فهذه مؤشرات مطمئنة. أما التغير المفاجئ في سلوكه، أو كثرة الخوف والعصبية، أو الانعزال، أو إهمال ما كان يحبه، فيستحق وقفة هادئة وحواراً صادقاً. 

والأفضل في هذه الحالة أن نتحدث عن التصرفات ونتائجها، لا أن نهاجم الصديق مباشرة؛ لأن الهجوم قد يجعل الابن يتمسك به دفاعاً عنه.


لذلك تحتاج ثقة الأبناء بأنفسهم إلى كلمات يسمعونها بصدق، لا في لحظات الخوف عليهم فقط. وهنا يتمثل دور الأسرة فيجب علي الوالدين تشجيع أبنائهم دوماً بكلمات مثل «أنا أثق في قدرتك على اختيار الصواب»،«ليس عليك أن تفعل ما لا تقتنع به حتى يحبك الآخرون»، و«قولك لا عندما يطلب منك أحد أمراً خاطئاً دليل على قوتك»، و«الصديق الحقيقي يحترمك ولا يضغط عليك» فهذه العبارات تمنح الابن سنداً داخلياً يحميه عندما يجد نفسه أمام ضغط الجماعة المحيطة به. 


وفي الوقت نفسه، علينا أن نربي أبناءنا على أن يكونوا هم أيضاً أهلاً للصداقة فيحترمون مشاعر الآخرين، ويحفظون أسرارهم، ويعتذرون حين يخطئون، ولا يستغلون ضعف أحد. فالإنسان لا يبحث عن صديق صالح فحسب، بل ينبغي أن يتعلم كيف يكون هو الصديق الذي يُطمأن إليه.
وإذا تحولت العلاقة إلى تهديد أو ابتزاز أو عنف أو سلوك خطر، فلا يكفي الاكتفاء بالنصيحة، بل يجب أن تتدخل الأسرة بهدوء وحزم، وأن تستعين بشخص بالغ موثوق عند الحاجة. فالابتعاد عن صديق السوء ليس خيانة، وإنما حماية للنفس والمستقبل.


دورنا ليس أن نختار لأبنائنا أصدقاءهم في كل مرحلة، بل أن نساعدهم على الاختيار بوعي. فالطفل يحتاج إلى توجيه قريب وواضح، والمراهق يحتاج إلى ثقة ومساحة، وكلاهما يحتاج إلى بيت يعرف أنه يستطيع العودة إليه مهما أخطأ أو احتار. وعندما يكبر أبناؤنا وهم يعرفون قيمة أنفسهم، سيعرفون أيضاً من يستحق أن يرافقهم، ومن الأفضل أن يتركوه خلفهم.