قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

مصر والخليج روابط استراتيجية وأمن قومي| القاهرة - الرياض.. شراكة مصيرية وحصن للأمة

مصر والخليج
مصر والخليج

شكلت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الاحتفال بتخريج دفعة جديدة من طلاب كلية الشرطة علامة فارقة في قراءة المشهد الإقليمي، إذ جاءت لتؤكد أن المنطقة تعيش مرحلة من التحولات العميقة التي تستوجب رؤية استراتيجية متماسكة، ووعيا جمعيا بطبائع المرحلة ومتطلباتها، وهو ما تجلى في حديث الرئيس عن أن المتغيرات الجيوسياسية الحالية، كبيرة وعميقة وسوف تترتب عليها تداعيات على المنطقة، في إشارة واعية إلى أن ما يجري على الساحة الإقليمية ليس حدثا عارضا يمر، بل تحول في البنية العامة للمنطقة، يحتاج إلى إدراك دقيق لتفاصيله والاستعداد لتبعاته.

ومثلت تصريحات الرئيس السيسي ، تعبيرا صريحا عن إيمان القيادة السياسية بأن العلاقات المصرية الخليجية، يحكمها منطق الروابط الاستراتيجية الممتدة، والأمن القومي المشترك الذي لا يقبل التقسيم، باعتبار أن ما يمس طرفا من هذه المنظومة، يمس جميع أطرافها.

تحذير الرئيس السيسي من عمق المتغيرات الجيوسياسية

جاءت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي مصحوبة بتقدير دقيق للظرف الإقليمي؛ حيث أكد أن المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة كبيرة وعميقة، وأن هذه المتغيرات ليست معزولة عن بعضها، بل تتفاعل في ما بينها وتنعكس على البيئة الأمنية في الإقليم بأسره، ومن هنا تأتي أهمية الاستعداد المبكر والعمل على خفض التصعيد وحماية مقدرات الشعوب واستقرارها.

 كان التحذير الرئاسي توصيفا هادئا وواضحا لحقيقة التعقيدات المتراكمة في الساحة الإقليمية، وحرصا على أن يستند التعامل معها إلى حسابات دقيقة تضع الأمن والاستقرار في مقدمة الأولويات، وتنظر إلى تطورات المنطقة بمنظور شامل لا يتعامل مع كل ملف منفردا، وإنما في إطار شبكة المصالح المتبادلة والتهديدات المشتركة التي أصبحت تفرض على دول المنطقة تنسيقا مستمرا وثقة متبادلة.

وجاء هذا الطرح في سياق احتفال أكاديمية الشرطة أمس بتخريج دفعة جديدة من طلاب كلية الشرطة؛ حيث ربط الرئيس بين رسالة الأمن الداخلي التي يرمز إليها تخريج رجال الشرطة، و رسالة السياسية الخارجية التي تعبر عن ثوابت الدولة المصرية في علاقاتها بمنظومتها العربية والإسلامية، وهو الربط الذي يعكس وحدة الرؤية بين الأمن الداخلي والأمن الإقليمي في التصور المصري.

أمن مصر لا ينفصل عن أمن الخليج

ويؤكد الرئيس السيسي دوما أن أمن مصر لا ينفصل عن أمن الخليج، وقد شدد على هذه الحقيقة في الندوة التثقيفية بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة ، بقوله أن الأمن القومي لدول الخليج هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، مثلما أن الأمن القومي المصري يمثل امتدادا للأمن القومي الخليجي، في معادلة متكاملة تعكس عمق الرابط الاستراتيجي بين الجانبين، وتؤسس لمسئولية مشتركة في مواجهة التحديات.

وأضاف أن الدولة المصرية لا تحمل أي أجندات خفية، وأن أولوياتها الأساسية تتمثل في الحفاظ على حدودها وأمنها القومي في إطار من السلام والاستقرار، وأن مصر تستهدف خفض التصعيد في المنطقة وإيجاد حل للأزمة في الخليج وتحقيق الأمن والاستقرار للأشقاء، وأنها مستعدة للقيام بكل ما يلزم لخفض التصعيد وتأمين الملاحة وإعادة الاستقرار إلى المنطقة.

ولا يفوت المراقب أن الربط المصري بين أمن الخليج والأمن القومي المصري ليس شعارا دبلوماسيا، بل هو ترجمة لسياسة ثابتة تدرك أن امتداد الأمن المصري في العمق العربي يستند إلى تماسك الجبهة الخليجية، وأن أي خلل في هذه الجبهة ينعكس بالضرورة على البيئة الإقليمية بأكملها.

ومن هنا جاء التأكيد الرئاسي على أن تأمين الملاحة في الممرات البحرية الدولية، يمثل مصلحة مشتركة لا تقبل المساومة، وأن استقرار دول الخليج يبقى جزءا من الأمن الجماعي للمنطقة.

مصر والسعودية… قلب الأمتين العربية والإسلامية

وقد وضع الرئيس السيسي العلاقة المصرية السعودية في مكانة خاصة، إذ أكد أن مصر والسعودية هما قلب الأمتين العربية والإسلامية، وأن أي ضرر يصيب احدى الدولتين، سوف يؤثر على الأخرى، وأن مقولة إن الأمن القومي لكل من مصر والسعودية ودول الخليج العربي مرتبط، هي مقولة صحيحة.

وأكد أن استهداف المملكة يؤثر على الأمن القومي العربي والمصري، وأن مصر لا تقبل المساس بأمن المملكة وحدودها، وأن ما يهمها هو أمن المملكة وعدم المساس به واستقرارها وخفض التصعيد.

وتكتمل منظومة هذه المواقف بالتأكيد على رفض المساس بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية، في ربط واع بين أمن المملكة وأمن الملاحة العالمية وخطوط التجارة الدولية التي تمر من هذه المنطقة الحيوية.

وتبقى قوتان إقليميتان بحجم مصر والسعودية ، في هذا التصور ، ركيزتين لا يتحقق استقرار الإقليم إلا بهما ، وهو ما يجعل العلاقة المصرية السعودية علاقة مصيرية لا تقف عند حدود التعاون الثنائي، وإنما تمتد لتشكل ضمانة أساسية لاستقرار الأمة العربية والإسلامية في مواجهة التحديات المتلاحقة.

المشهد السعودي في صورة شعبية

ويلتقي مع هذا السياق، ما شهدته منصات التواصل الاجتماعي على مدار يومين، في أعقاب اضطرابات شهدتها حركة الطيران المرتبطة بمطار الملك خالد الدولي بالرياض، وامتدت آثارها إلى عدد من الرحلات المتجهة إلى المطار أو الصادرة منه؛ حيث أصدرت سفارة المملكة العربية السعودية بالقاهرة بياناً، دعت فيه المواطنين السعوديين الذين تعرضت رحلاتهم للإلغاء أو التأخير، أو تعذر عليهم الوصول إلى وجهاتهم المقررة، إلى التواصل السريع مع السفارة للحصول على المساعدة والإرشادات الفورية، فإذا به يتحول إلى أوسع تعبير شعبي تلقائي عن عمق العلاقة بين الشعبين المصري والسعودي، بعد دعوة المصريين لاخوانهم السعوديين للإقامة معهم في منازلهم القريبة من المطار، حتى عودة حركة الطيران إلى طبيعتها مرة أخرى، وهو موقف يعكس الموقف الرسمي المصري الذي يضع أمن السعودية في قلب أمن مصر القومي.

المخاطر والتحديات على الحدود الجنوبية والغربية

وامتدت تصريحات الرئيس السيسي لتشمل عناوين الأمن المصري القريب؛ إذ أشار إلى وجود مخاطر على حدود مصر الجنوبية والغربية، موضحا أن مصر كانت تسعى وتبذل كل الجهد لتجنب وقوع نزاع في السودان، وأن استقرار السودان وليبيا وقطاع غزة من مقتضيات الأمن القومي العربي والمصري، وهو ما يعكس إدراكا استراتيجيا بأن دائرة الأمن القومي المصري لا تتوقف عند الحدود الجغرافية، وإنما تشمل ما يجري في دول الجوار المباشر، لأن ما تعرفه الساحة السودانية من تطورات، وما تشهده الساحة الليبية من تعقيدات، وما يعيشه قطاع غزة من أوضاع كارثية، كل ذلك يظل مرتبطا بالأمن القومي المصري والعربي ارتباطا مباشرا.

وأكد الرئيس السيسي أن مصر لم تدخر جهدا في سبيل تجنب النزاع في السودان، وأن استقرار دول الجوار يمثل ركيزة أساسية لعملية الاستقرار الإقليمي الشاملة، وهو موقف تتقاطع فيه المسؤولية الوطنية مع الرؤية العربية الجامعة التي تضع أمن الأمة فوق كل اعتبار.

وعي المصريين والاصطفاف خلف مؤسسات الدولة

وقابل الشارع المصري هذه المواقف بوعي متزايد بطبيعة المرحلة وما تحمله من محاولات للإضرار باستقرار الدولة المصرية؛ حيث يدرك المصريون أن ما يحاك ضد الدولة المصرية من مؤامرات، يقتضي التمسك بالاصطفاف خلف مؤسسات الدولة والوقوف صفا واحدا في مواجهة التحديات.

وتأتي أهمية هذا الوعي الشعبي الذي يمثل أحد أهم عناصر قوة الدولة، ويشكل درعاً واقية في مواجهة محاولات إضعاف الجبهة الداخلية أو تشويه صورة الدولة أو النيل من مكتسباتها، فالتلاحم بين القيادة ومؤسسات الدولة والشعب، كان ولا يزال ركيزة أساسية في عبور التحديات، تماما كما كان عنوان المرحلة في كل أزمة مرت بها الدولة خلال السنوات الماضية.

وتتكامل الصورة في مشهد واحد متماسك: تحذير رئاسي من متغيرات إقليمية عميقة لا تخطئها عين، وتأكيد على أن العلاقات المصرية الخليجية تحكمها روابط استراتيجية وأمن قومي ممتد، ومقولة راسخة بأن مصر والسعودية هما قلب الأمتين العربية والإسلامية، وموقف واضح بأن أمن المملكة وحدودها والبحر الأحمر خط أحمر لا يجوز المساس به.

وبقدر ما تعكس هذه المواقف ثوابت السياسة المصرية، فإنها تعكس في الوقت نفسه قوة إدراك الشعب المصري لطبيعة ما يجري حوله، وثقتهم في مؤسسات دولتهم التي تضع أمن الوطن واستقراره فوق كل اعتبار.

ويبقى الرهان الأهم على وعي الشعوب وتماسك الجبهة الداخلية، فبهما تستطيع مصر، ومحيطها العربي، أن تواجه أعمق التحولات وأكثرها تعقيدا، وأن تحتفظ بقدرتها على حماية أمنها ومصالحها ومقدرات أجيالها المقبلة.