قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

كريم خالد عبد العزيز يكتب: أجساد حاضرة وأرواح غائبة.. أزمة التواصل الإنساني

كريم خالد عبد العزيز
كريم خالد عبد العزيز

لا تخلو حياة كل إنسان من وجود الأشخاص، حتى لو كان يميل إلى الانطوائية أو يفضل الانفراد بذاته.... وجود الأشخاص في حياتنا نوعان، نوع أرواح حاضرة حتى لو غابت أجسادها، ونوع آخر أجساد حاضرة وأرواح غائبة.

في حياتنا أشخاص مؤثرون، نحبهم ونتعلق بهم لأننا نتواصل معهم دائمًا، ونشاركهم في كل تفاصيل حياتنا بمشاعرنا، ونأخذ بنصائحهم، حتى لو كانت المسافات تبعدنا عن بعضنا البعض، منهم من لا يزال على قيد الحياة، ولكن غيبته الظروف؛ ومنهم من يرحل عن عالمنا ولا يغيب أثره، وتبقى كلماته ونصائحه خالدة في وجداننا، وصوته لا يغيب عن مسامعنا، وحضوره يرافق أرواحنا وقلوبنا.... هؤلاء حاضرون غائبون، لأننا نشعر بحضورهم حتى لو غابوا جسديًا.

أما النوع الآخر، ففي حياتنا أشخاص لا نشعر بهم ولا بحضورهم رغم وجودهم حولنا بأجسادهم، هؤلاء يسمون الغائبين الحاضرين، فرغم وجودهم حولنا ومعنا بالجسد، إلا أننا لا نستشعر منهم أي مشاعر ولا مشاركة، لأن أرواحهم غائبة ومنطفئة.... هؤلاء، للأسف، لا يشكلون لنا أي وزن أو ثقل أو تأثير في حياتنا، منهم من نحاول أن نشاركهم، لكننا لا نجد منهم رد فعل مساويًا لنا في المشاعر.

قد نجدهم في صور كثيرة داخل المجتمع.... في صورة زوج مهمل لزوجته، أو أم مهملة لابنها، أو أب لا يمنح أبناءه الاهتمام والاحتواء اللذين يحتاجون إليهما، أو صديق لا يتذكر صديقه إلا عندما يحتاج إلى شيء منه.... وقد نجدهم حتى داخل الأسرة الواحدة، حيث يجتمع أفرادها تحت سقف واحد، لكن لكل منهم عالمه المنفصل، فلا حوار حقيقي يجمعهم، ولا مشاعر يتبادلونها، ولا اهتمام يجعل كل فرد يشعر بقيمته ومكانته لدى الآخرين.

أزمة التواصل الإنساني لا تكمن في قلة الحديث، وإنما في قلة المشاعر، ولا تكمن في قلة المشاركة، وإنما في قلة الدعم والتأييد.... وهذا يحدث داخل الأسرة الواحدة، فقد يتحدث الأب مع أبنائه، ولكن حديثه يقتصر على إصدار الأوامر وتوجيه الانتقادات، دون أن يمنحهم التشجيع أو يشعرهم بالفخر بإنجازاتهم، وقد ينشغل بتصحيح أخطائهم إلى الحد الذي يجعلهم يخشون الحديث معه عن إخفاقاتهم أو مشاركة أحلامهم معه.... وكذلك الأم، فقد تهتم بتفاصيل حياة أبنائها وتحرص على تلبية احتياجاتهم، لكنها قد تغفل عن احتياجاتهم العاطفية، فلا تمنحهم ما يكفي من الاحتواء والتفهم والتأييد.... والأمر ذاته قد يحدث بين الزوجين، حين يتحول الحوار بينهما إلى سلسلة من المطالب والانتقادات والواجبات اليومية، فيصبح كل طرف مطالبًا بأداء مسؤولياته دون أن يجد التقدير أو الدعم النفسي أو الكلمة الطيبة التي تشعره بأن جهوده محل تقدير.

وفي النهاية، علينا أن ندرك أن قيمة الإنسان في حياتنا لا تتحدد بمجرد وجوده فيها، وإنما بما يتركه في نفوسنا من أثر، وما يمنحنا إياه من مشاعر صادقة وحب حقيقي، وما يقدمه لنا من دعم واحتواء.... فهناك أشخاص يغادرون حياتنا، لكنهم يظلون حاضرين في وجداننا، وهناك أشخاص يظلون بجوارنا سنوات طويلة، دون أن يتركوا في أرواحنا أثرًا يُذكر.... وبين الحضور والغياب، تبقى الحقيقة الأهم أن الإنسان لا يحتاج إلى من يشاركه المكان فحسب، بل يحتاج إلى من يشاركه الحياة بقلبه وروحه.

الحل يبدأ بأن نتعلم كيف ننصت لبعضنا البعض بقلوبنا قبل آذاننا، وأن نستبدل الانتقاد الدائم بالتشجيع، والأوامر بالحوار، والفتور بالاهتمام والمشاركة الوجدانية.

فلنجعل من علاقاتنا مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، ولنتذكر أن الدعم والتقدير والكلمة الطيبة ليست رفاهية، بل احتياجات إنسانية أساسية.