عزيزي القارئ، ماذا يحدث عندما ترتفع أسعار الطاقة، وتضطرب إمدادات الغذاء، وتتزايد أعباء الديون في الوقت نفسه؟ ربما تكون إجابتك الأولى هي ارتفاع الأسعار، لكن ذلك ليس سوى بداية القصة. فالصدمات المتزامنة ترفع تكلفة الاقتراض، وتضغط على الدخول الحقيقية، وتزيد مخاطر الفقر، بينما تضيق قدرة الحكومات على توفير الحماية للفئات الأكثر تضررًا.
هذه الصورة المركبة هي محور تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في أكتوبر 2026، بعنوان لا وقت للتعافي: أزمات متراكبة، وهوامش مالية مستنزفة، وتداعياتها على الاقتصادات النامية (No Time to Recover: Compounding Crises, Depleted Fiscal Buffers, and What It Means for Developing Economies) ، فبعد سبعة أشهر من التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، تواجه اقتصادات نامية عديدة ضغوطًا متزامنة تشمل تجدد ارتفاع أسعار الطاقة عقب انهيار اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في يوليو، ومخاطر مناخية متزايدة مع توقع اشتداد ظاهرة «النينيو» وبلوغ آثارها ذروتها مطلع 2027، إلى جانب ارتفاع أسعار الفائدة المرجعية العالمية. وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن احتواء هذه الصدمات دون استنزاف ما تبقى من الموارد المالية؟
أولًا: عاصفة اقتصادية من ثلاث جبهات
تواجه الاقتصادات النامية ضغوطًا متزامنة على ثلاث جبهات: الطاقة والغذاء والديون. ففي سوق النفط، بلغ متوسط سعر خام برنت نحو 102 دولار للبرميل في سبتمبر 2026، بزيادة تقارب 22% مقارنة بيوليو. ولا تتوقف آثار هذه الزيادة عند فاتورة استيراد الوقود، بل تمتد إلى تكاليف الإنتاج والنقل، بما قد ينعكس على أسعار السلع والخدمات، وفقًا لمدى انتقال الزيادة في التكاليف إلى المستهلك النهائي.
وفي جبهة الغذاء، تتزايد المخاطر مع اشتداد ظاهرة «النينيو»، التي تؤثر في أنماط الطقس وقد ترفع احتمالات الجفاف والفيضانات وموجات الحرارة الشديدة، بما يهدد المحاصيل والإنتاج الزراعي في عدد من المناطق بما يعمل على تزايد المخاوف بشأن الأمن الغذائي العالمي. وفي هذا السياق، تشير التقديرات الواردة في التقرير إلى احتمال تعرض ما لا يقل عن 49 مليون شخص إضافي لانعدام الأمن الغذائي الحاد في 45 دولة بحلول نهاية 2027، وفقًا لبرنامج الأغذية العالمي.
أما الجبهة الثالثة، فتتمثل في ارتفاع تكلفة الاقتراض وضغوط خدمة الدين. ويشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن وسيط نسبة مدفوعات الفائدة إلى الإيرادات الحكومية في الاقتصادات النامية بلغ نحو 9.5%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2001، ويتجاوز ثلاثة أمثال المستوى الوسيط المسجل في البلدان مرتفعة الدخل. ومع ارتفاع هذه النسبة، تتقلص الموارد المتاحة لتلبية الاحتياجات العامة، وتزداد صعوبة الموازنة بين خدمة الدين وتمويل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
وهنا تكمن خطورة المشهد: ليست المشكلة في كل صدمة على حدة، بل في تزامنها بينما تتراجع الهوامش المالية المتاحة لاحتواء آثارها. فكلما ارتفعت فاتورة الطاقة والغذاء، وزادت تكلفة التمويل، أصبحت الاستجابة أكثر صعوبة، وازدادت الحاجة إلى سياسات توازن بين الحماية الاجتماعية والانضباط المالي، مع توجيه الموارد المحدودة إلى الأولويات الأكثر إلحاحًا.
ثانيًا: كيف نوازن بين استقرار الأسعار وحماية الأسر؟
مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، تصبح حماية القدرة الشرائية ضرورة اجتماعية واقتصادية، لكن الدعم العام واسع النطاق قد يستنزف الموارد ويصعب استمراره مع طول الأزمة. ويشير التقرير إلى أن الدعم الصريح للطاقة التقليدية قد يتجاوز تريليون دولار عالميًا في 2026 إذا استمرت الأسعار عند مستوياتها الراهنة.
وفي المقابل، تُظهر تقديراته أن التعويض الكامل للأسر عن الصدمة يعادل نحو 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي المجمع للبلدان النامية في العينة، مقابل 0.3% إذا اقتصر التعويض عن خسارة الدخل الحقيقي على الأسر التي يقل دخلها عن 6.85 دولار يوميًا وفق تعادل القوة الشرائية. وهذه تقديرات عامة، وليست حسابًا لتكلفة الدعم في مصر.
ولا يعني ذلك أن الدعم الموجه وحده يكفي في جميع الظروف؛ بل يتطلب الأمر منظومة حماية مرنة تجمع بين سرعة الاستجابة ودقة الاستهداف، من خلال تحديث قواعد البيانات، وتسريع صرف المساندة، ومراجعة قيمتها وفق تطورات الأسعار والدخول، مع إتاحة تدابير مؤقتة أوسع عندما تفرض طبيعة الصدمة ذلك.
والرهان الحقيقي هو الوصول إلى من يحتاجون المساندة في الوقت المناسب، بأقل تكلفة مالية ممكنة، دون أن تتحول إجراءات الحماية من صدمة مؤقتة إلى التزام دائم يصعب تمويله.
ثالثًا: من ارتفاع الأسعار إلى اتساع الفقر
لا تتوقف تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عند زيادة تكاليف المعيشة، بل قد تمتد إلى دفع ملايين الأشخاص نحو الفقر. ففي السيناريو المركزي للتقرير، قد يؤدي انتقال الزيادات السعرية بالكامل إلى المستهلكين، دون تعويضات حكومية، إلى زيادة عدد من يعيشون دون خط 6.85 دولار يوميًا بنحو 130 مليون شخص خلال 2026 مقارنة بالمسار المرجعي، مع نطاق يتراوح بين 80 و200 مليون. كما قد يقع 121 مليون شخص إضافي دون خط 3.65 دولار يوميًا، و66 مليونًا دون خط 2.15 دولار، مع تداخل هذه الفئات وعدم جواز جمع أعدادها.
وتستند هذه التقديرات إلى سيناريوهات تفترض ارتفاع أسعار الطاقة للمستهلكين بنسبة 20% إلى 45%، والغذاء بنسبة 5% إلى 15%، مع انتقال الزيادات كاملة إلى الأسعار النهائية وغياب تدابير التعويض. وهي تقديرات مشروطة للأثر الأولي على القوة الشرائية، وليست توقعات مؤكدة؛ إذ لا تحتسب استجابات الأسر وتعديلات الأجور والتداعيات اللاحقة على التضخم والنمو، كما لا تميز بالكامل بين الدول المصدرة والمستوردة للطاقة.
والرسالة الأهم أن سرعة الاستجابة تحدد إلى حد كبير ما إذا كانت صدمة الأسعار ستظل أزمة مؤقتة في الأسواق، أم تتحول إلى ضغط اجتماعي أعمق يهدد معيشة ملايين الأسر ويوسع دائرة الفقر.
رابعًا: مصر في مواجهة الصدمات: تحسن خارجي وضغوط مستمرة
تواجه مصر معادلة اقتصادية تتطلب التعامل مع الضغوط الراهنة على الأسعار والتمويل، بالتوازي مع تعزيز قدرة الاقتصاد على الحد من تعرضه للصدمات الخارجية. وتكشف البيانات المبدئية لميزان المدفوعات عن تحسن في بعض المؤشرات الخارجية خلال السنة المالية 2025/2026، رغم استمرار الضغوط على الحساب الجاري والتجارة الخارجية.
فوفقًا للبنك المركزي المصري، سجل الميزان الكلي لميزان المدفوعات فائضًا بنحو 2.8 مليار دولار، مقابل عجز قدره 2.1 مليار دولار في السنة السابقة، فيما ارتفع صافي التدفقات الداخلة في الحساب الرأسمالي والمالي إلى 23.2 مليار دولار، مقابل 10.2 مليار دولار، مدعومًا بزيادة صافي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 18 مليار دولار.
وعلى صعيد موارد النقد الأجنبي، بلغت تحويلات المصريين بالخارج 47.3 مليار دولار، وإيرادات السياحة 18.4 مليار دولار، بينما ارتفعت إيرادات قناة السويس إلى نحو 4.4 مليار دولار، بما يعكس تعافيًا جزئيًا لحصيلة رسوم المرور.
لكن هذه المؤشرات الإيجابية تزامنت مع اتساع عجز الحساب الجاري إلى 22.5 مليار دولار، مقابل 15.4 مليار دولار، وارتفاع عجز الميزان التجاري إلى 64.8 مليار دولار، إلى جانب زيادة عجز ميزان دخل الاستثمار إلى 21.2 مليار دولار. ولا يمكن عزو اتساع العجز التجاري بالكامل إلى التوترات الإقليمية؛ إذ ارتبط جانب من زيادة الواردات غير البترولية بالسلع الوسيطة اللازمة للنشاط الإنتاجي، كما أسهم ارتفاع كميات الغاز الطبيعي والنفط الخام المستوردة في زيادة فاتورة الطاقة.
وتكشف بيانات الدين الخارجي عن صورة مماثلة تجمع بين مؤشرات التحسن واستمرار التحديات. فقد ارتفع رصيد الدين إلى نحو 164.8 مليار دولار في نهاية مارس 2026، مقابل 161.2 مليار دولار في نهاية يونيو 2025، بينما تراجعت نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي من 44.2% إلى 38.9%. ويعكس ذلك أهمية التمييز بين قيمة الدين الاسمية ونسبته إلى الناتج، التي تتأثر أيضًا بتغير حجم الاقتصاد.
وفي المقابل تراجعت مدفوعات خدمته إلى نحو 28.3 مليار دولار خلال الفترة من يوليو 2025 إلى مارس 2026، مقابل 30.1 مليار دولار خلال الفترة المناظرة من العام السابق. وجاء هذا الانخفاض مدفوعًا بتراجع الأقساط المسددة إلى 22.3 مليار دولار، مقابل 23.5 مليار دولار، إلى جانب انخفاض مدفوعات الفوائد إلى 6 مليارات دولار، مقارنة بنحو 6.6 مليار دولار. ويعكس هذا التراجع تطورًا إيجابيًا في أعباء الخدمة خلال الفترة، لكنه لا يكفي وحده للحكم على استدامة الدين؛ إذ تظل الصورة مرهونة بحجم الاستحقاقات المقبلة، وشروط التمويل، وقدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي.
أما على صعيد الأسعار، فقد أظهرت بيانات الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية ارتفاع المؤشر بنسبة 1.5% شهريًا في سبتمبر 2026، مع تسجيل التضخم السنوي 12.8% مقابل 12.7% في أغسطس. وجاءت الزيادة الشهرية مدفوعة أساسًا بارتفاع أسعار الطعام والمشروبات بنسبة 3.2%، وفي مقدمتها الخضروات التي قفزت 15.1%. أما سنويًا، فبلغ التضخم في المسكن والمرافق 29.6%، والنقل 21.3%، والتعليم 20.0%، مقابل 7.9% للطعام والمشروبات. وبذلك يعكس ارتفاع التضخم الشهري استمرار الضغوط السعرية، بينما بقي المعدل السنوي شبه مستقر لأن الزيادة الشهرية في سبتمبر من العام الماضي كانت بالحجم نفسه تقريبًا.
- وتشير هذه المؤشرات إلى أن البناء على التحسن المحقق يتطلب الجمع بين احتواء التداعيات المباشرة على الأسر والإنتاج، وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات المقبلة، بما يشمل تنمية موارد النقد الأجنبي، وترشيد الواردات القابلة للإحلال محليًا، وتحسين إدارة الالتزامات التمويلية، دون زيادة الضغوط على المالية العامة. ويمكن تحقيق ذلك عبر مسارات متكاملة تشمل الطاقة والدين والغذاء والحماية الاجتماعية.
- في قطاع الطاقة، تبرز أهمية تحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتنويع مصادر الإمداد، وتعزيز كفاءة إدارة الغاز الطبيعي والكهرباء، إلى جانب تصميم سياسات تسعير تراعي تكاليف الإمداد والقدرة الشرائية للأسر. ويمكن أن يساعد توجيه المساندة إلى الفئات الأكثر تضررًا على تخفيف الأعباء الاجتماعية، مع مراعاة جاهزية نظم الاستهداف وتكلفة التدخل على الموازنة.
- وفي إدارة الدين، يمكن الاستفادة من مبادلات الديون مقابل تمويل مشروعات التنمية أو المناخ، إلى جانب التمويل الميسر من شركاء التنمية. وترتبط جدوى هذه الأدوات بحجم التمويل المتاح وشروطه، ومدى توجيهه إلى مشروعات تحقق نتائج اقتصادية أو بيئية قابلة للقياس، دون أن تحل محل الإدارة المستدامة للدين.
- أما في الزراعة، فيمكن أن تسهم الزراعة التعاقدية في تحسين استقرار التسويق والإنتاج، من خلال الاتفاق المسبق على المحاصيل والكميات وشروط التوريد. ويتوقف نجاحها على إنفاذ العقود، وتوازن القوة التفاوضية بين المزارعين والمشترين، وتوافر التمويل والتأمين والتخزين والتبريد، بما يحد من مخاطر تحميل صغار المزارعين وحدهم تبعات تقلب الأسعار.
وعلى المدى المتوسط والطويل، يمكن أن تتيح مشروعات الهيدروجين الأخضر والأمونيا منخفضة الانبعاثات فرصًا لتنويع الصادرات وتعزيز موارد النقد الأجنبي. غير أن تحقيق هذه العوائد يتطلب استثمارات كبيرة، وأسواقًا مستقرة، وبنية تحتية مناسبة، وتكاليف إنتاج تنافسية؛ ولذلك لا تمثل هذه المشروعات حلًا سريعًا لضغوط النقد الأجنبي الحالية.
وتكتمل هذه المسارات بتطوير منظومة الحماية الاجتماعية نحو مفهوم الحماية الاجتماعية التكيفية (Adaptive Social Protection)، من خلال ثلاثة إجراءات مقترحة:
1. إتاحة مساعدات نقدية استثنائية ومؤقتة للأسر الأكثر تضررًا عند حدوث ارتفاعات حادة في أسعار الغذاء والطاقة.
2. ربط مراجعة قيمة المساندة بمؤشرات معلنة لتكلفة المعيشة، مع تحديد عتبات واضحة وتقدير الأثر المالي ووضع سقف للتكلفة.
3. دراسة تخصيص احتياطي مالي للطوارئ ضمن الموازنة العامة، بما يدعم سرعة الاستجابة مع الحفاظ على استدامة المالية العامة.
ويمكن البناء على البرامج وقواعد البيانات الوطنية القائمة لتيسير الوصول إلى المستحقين وتسريع صرف المساندة، مع تحديث البيانات وإتاحة آليات للتظلم وتصحيح الأخطاء. فتعزيز الصمود الاقتصادي لا يعتمد على أداة منفردة، بل على تكامل سياسات الطاقة والغذاء والدين والحماية الاجتماعية، وقدرتها على حماية الأسر والأنشطة الإنتاجية دون استنزاف الموارد المتاحة.
الخلاصة: الصمود يبدأ بالاستعداد
تتمثل الرسالة الأساسية لتقرير «لا وقت للتعافي» في أن مواجهة الأزمات المتزامنة لا تبدأ عند وقوعها، بل بالاستعداد لها وبناء القدرة على احتواء آثارها قبل أن تتفاقم. وبالنسبة إلى مصر، يعني ذلك البناء على تحسن بعض المؤشرات الخارجية، مع مواصلة تنمية موارد النقد الأجنبي، وتعزيز أمن الطاقة والغذاء، وتحسين إدارة الالتزامات التمويلية، بما يحد من التعرض للصدمات الخارجية.
ولا يقل عن ذلك أهمية تطوير حماية اجتماعية مرنة قادرة على مساندة الأسر الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار، مع الحفاظ على الموارد اللازمة للاستجابة للأزمات المقبلة. فالصمود الاقتصادي لا يعني منع الصدمات، وهو أمر لا يمكن ضمانه، بل تقليل انتقال آثارها إلى الإنتاج ومستويات المعيشة، والحد من كلفتها على المالية العامة، بما يمنح الاقتصاد والمجتمع قدرة أكبر على التعامل مع التقلبات المقبلة.
د. أيمن فرج يكتب: من احتواء الصدمة إلى بناء المرونة.. مصر وأزمات الطاقة والغذاء والديون