سلطت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية الضوء على منطقة شاوجوان النائية، جنوبي الصين، التي بدأت جبالها الخضراء وقراها الريفية تمتلئ تدريجياً بـ"مراكز بيانات" تستهلك كميات هائلة من الطاقة، بعدما ضخت شركات التكنولوجيا الصينية العملاقة مليارات الدولارات فيها.
وقالت الصحيفة إن شركات مثل "علي بابا"، و"تينسنت"، و"هواوي"، شرعت في استغلال وفرة الأراضي، وانخفاض تكاليف الكهرباء، والمناخ المعتدل في هذه المنطقة الواقعة جنوب الصين، ضمن مقاطعة جوانجدونج، لتطوير البنية التحتية للحوسبة.
وتُعد شاوجوان مستفيداً اقتصادياً من توجه بكين، الذي يتطلب استثمارات بمليارات اليوانات، لدفع المدن الداخلية نحو بناء قدرات حاسوبية وبنية تحتية تخدم المدن الساحلية الصينية المكتظة بالسكان، وتدعم طموحات البلاد في أن تصبح رائدة عالمياً في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تنظر بكين إلى هذا القطاع كأولوية استراتيجية قد تحقق مكاسب ضخمة على صعيد النمو والابتكارات التكنولوجية.
وتعقد الصحيفة مقارنة مع الولايات المتحدة، التي غالباً ما قوبلت عمليات بناء مراكز البيانات بها باحتجاجات من السكان المحليين الذين يخشون تداعيات سلبية، مثل ارتفاع تكاليف الطاقة، وزيادة استهلاك المياه، وتأثر أسعار المساكن. أما في شاوجوان، ورغم ضجيج أعمال البناء والغبار الذي يغطي أجزاءً واسعة من المنطقة، يبدو أن السكان أكثر قلقاً بشأن ما إذا كانت هذه المشاريع الجديدة ستقدم لهم فوائد ملموسة بمجرد انتهاء حمى البناء هذه.
وترى الحكومات المحلية الصينية في المدن الداخلية، من جوانجدونج وصولاً إلى منغوليا الداخلية، في طفرة مراكز البيانات فرصة لجذب الاستثمارات، وتحويل الأراضي ذات الإنتاجية المنخفضة إلى مراكز تكنولوجية مدرة للدخل، وتحفيز النمو الاقتصادي.
وقد زادت جاذبية هذه الفرصة في ظل انهيار قطاع العقارات الضخم في الصين، وهو القطاع الذي كان يُعتمد عليه سابقاً في مبيعات الأراضي التي كانت توفر نحو ثلث إيرادات الحكومات المحلية.
وفي هذا السياق، صرّح المسؤول الأول في شاوجوان، تشن شاو رونج، خلال اجتماع سياسي سنوي للمقاطعة في وقت سابق من هذا العام، قائلاً: "تعد القدرة الحوسبية قوة إنتاجية. ونحن عازمون على تحمل مسؤولية توفير أساس حاسوبي متين لمقاطعة جوانجدونج".
وقد أعلنت حكومة شاوجوان عن خطط لإنشاء 23 مجمعاً لمراكز البيانات باستثمارات إجمالية تبلغ 111.6 مليار يوان، بما يوازي نحو 17 مليار دولار، وهو مبلغ يعادل 65 في المائة من الناتج الاقتصادي السنوي للمدينة في العام الماضي. على الرغم من أن هذا المبلغ يمثل جزءاً بسيطاً من الاستثمار الوطني، فإن المسؤولين يأملون أن يحدث فارقاً كبيراً في مدينة شاوجوان.
وتشير "فاينانشيال تايمز" إلى أنه مع اكتمال بناء العديد من المشاريع في النصف الأول من هذا العام، تضاعف استهلاك الطاقة في مراكز البيانات خمس مرات. كما قفز معدل النمو الاقتصادي المحلي إلى 5 في المائة، متجاوزاً بذلك المتوسطات المسجلة على مستوى المقاطعة وعلى الصعيد الوطني.
ويصرح كاي داين، نائب رئيس شركة "دينوفو" للبرمجيات، التي افتتحت مكتباً محلياً في شاوجوان أواخر العام الماضي: "لقد سخّرت حكومة شاوجوان كل مواردها تقريباً لدعم مشروع مجمع الحوسبة هذا، ما أدى إلى تعزيز الاقتصاد المحلي بشكل هائل".
لقد أدت التضاريس الجبلية لمدينة شاوجوان وموقعها النائي نسبياً إلى عزلها عن طفرة التصنيع والتصدير التي دفعت عجلة النمو في مدن دلتا "نهر بيرل" (نهر اللؤلؤ) الواقعة إلى الجنوب منها.
كان اقتصاد المدينة، الذي يعتمد على السياحة والزراعة والصناعات التقليدية، قد دخل حالة من الركود. ففي عام 2025، بلغ متوسط الدخل السنوي المتاح للإنفاق حوالي 36 ألف يوان صيني (5300 دولار)، بينما ينخفض هذا الرقم في المناطق الريفية إلى أقل من 26 ألف يوان (3900 دولار).
وتقول إحدى السكان، وهي سيدة في الخمسينيات من عمرها، تمتلك متجراً بالقرب من مجمع لمراكز البيانات تديره مجموعة الاتصالات "تشاينا يونيكوم": "لقد تحسن الوضع المالي والاقتصادي قليلاً عما كان عليه في السابق.
وبينت الصحيفة أنه منذ العام الماضي، انتشرت مشاريع البناء والعمال في بعض القرى. وقد امتلأت جدران العديد من هذه المنازل بملصقات أو كتابات تعلن عن توفر غرف للإيجار.
وقالت مالكة متجر افتتحته أخيراً لخدمة العمال القائمين على بناء مركز بيانات ضخم تابع لشركة «تينسنت"، على أرض كانت في السابق مساحات عشبية: "عندما قدمت إلى هنا، كان المكان خالياً تماماً، وفي غضون عام واحد فقط، شُيدت مبانٍ كثيرة".
عندما زارت صحيفة «فاينانشال تايمز" المبنى التجاري المملوك للدولة، الذي يضم مكتب شركة "دينوفو"، كانت عدة طوابق فيه لا تزال قيد الإنشاء. وذكر نائب رئيس الشركة، كاي، أن معظم الموظفين ذوي المهارات العالية في شركة البرمجيات هذه جاؤوا من مدن كبرى، بينما اقتصرت فرص العمل المتاحة للسكان المحليين على القطاعات المساندة، مثل قطاع الإنشاءات وتوريد المواد.
وتابع قائلاً: "مقارنة بالصناعات كثيفة العمل، فإن الأثر على عدد السكان ليس كبيراً، لكن من حيث الناتج المحلي الإجمالي، يُعد هذا التحول جوهرياً". وأضاف أنه وزملاءه يقضون العديد من عطلات نهاية الأسبوع في مدينتي شينزين أو قوانجتشو.