قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

الأزرق للفقراء والأصفر للأثرياء.. خرائط تاريخية تكشف تفاوت الفقر والسكن في لندن عبر قرنين

الأزرق للفقراء والأصفر للأثرياء.. خرائط تاريخية تكشف تفاوت الفقر والسكن في لندن عبر قرنين
الأزرق للفقراء والأصفر للأثرياء.. خرائط تاريخية تكشف تفاوت الفقر والسكن في لندن عبر قرنين

الأزرق للفقراء والأصفر للأثرياء، هكذا رسم الباحث والمصلح الاجتماعي البريطاني تشارلز بوث خريطة التفاوت الطبقي في لندن خلال العصر الفيكتوري، مستخدما الألوان لتصنيف الشوارع والأحياء وفقا للأوضاع المعيشية لسكانها.

وبعد نحو 150 عاما، تعود هذه الخرائط التاريخية إلى الواجهة من خلال معرض جديد يستعرض قرنين من تاريخ الفقر والسكن في العاصمة البريطانية، مسلطا الضوء على مشكلات لا تزال قائمة، من الإيجارات المرتفعة إلى تدهور ظروف المعيشة في المساكن المستأجرة.

وتشكل خرائط بوث محور معرض "مكان يمكن تسميته منزلا.. الفقر والسكن في لندن" (A Place to Call Home: Poverty and Housing in London)، الذي تستضيفه مكتبة "سينيت هاوس" التابعة لجامعة لندن، خلال الفترة من 23 أكتوبر 2026 حتى 5 مارس 2027، ويستعرض تطور أوضاع السكن والفقر على مدى 200 عام.

وصنف بوث المناطق الأشد فقرا باللونين الأسود والأزرق الداكن، وعبر بالأزرق الفاتح عن الأحياء التي تسكنها أسر فقيرة، يتراوح دخل الأسرة المتوسطة فيها بين 18 و21 شلنا أسبوعيا (الجنيه الإسترليني كان يساوي 20 شلنا آنذاك)، فيما دل اللون الوردي على المناطق التي يعيش سكانها في ظروف مريحة نسبيا، وخُصص اللون الأصفر للأحياء التي تقطنها الفئات الأكثر ثراءً. وتقدم هذه الخرائط صورة تفصيلية عن التفاوت الاجتماعي في لندن آنذاك، وتتيح مقارنتها بمؤشرات الحرمان الاجتماعي والاقتصادي المعاصرة لرصد ما تغير وما استمر من مظاهر الفقر والتفاوت في المدينة.

وتكشف المقارنة بين خرائط بوث ومؤشرات الحرمان الحديثة، التي تصنف مناطق المملكة المتحدة بحسب مستويات الحرمان الاجتماعي والاقتصادي، عن تحولات كبيرة شهدتها لندن خلال القرن ونصف القرن الماضيين. فقد أُزيلت الأحياء العشوائية التاريخية وتحسنت ظروف السكن عموما، لكن الفقر المدقع والثراء الفاحش لا يزالان يتجاوران في العاصمة.

وتقول مورا غوش، أمينة المكتبة الأكاديمية ومنسقة المعرض، إن لندن لم تعد تضم النوع نفسه من الأحياء العشوائية التي عرفتها خلال العصر الفيكتوري، لكن مشكلات ظروف المعيشة لا تزال قائمة لدى كثيرين ممن يعيشون في مساكن مستأجرة، مشيرة إلى أن الاستمرارية والتغير يمثلان محورا أساسيا في فكرة المعرض.

وينظم المعرض بالتعاون بين جامعة لندن وكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، ويستعرض التحولات التي شهدها قطاع الإسكان خلال القرنين الماضيين، بما في ذلك إعادة الإعمار أثناء الحربين العالميتين وبعدهما، وبناء المجمعات السكنية، وتغير السياسات الإسكانية، فضلا عن الإخلاء واحتلال المنازل الشاغرة.

وسيتمكن الزوار من الاطلاع على خرائط بوث إلى جانب مؤشرات الحرمان الاجتماعي والاقتصادي الحالية المعروضة على جهاز حاسوب محمول، بما يتيح لهم مقارنة التغيرات التي طرأت على مناطقهم السكنية عبر الزمن، استنادا إلى الرموز البريدية الخاصة بها.

كما اختار منظمو المعرض قصصا فردية من دفاتر بوث، تتضمن مقابلات أجراها مع سكان من أبناء الطبقة العاملة في لندن، ومن بينها شهادة فتاة كانت تعمل ضمن فرقة غنائية مسرحية في مسرح دروري لين، تحدثت فيها عن تكلفة الجوارب الطويلة التي تحتاج إليها، في تفصيل يعكس اهتمام بوث بتوثيق الحياة اليومية للسكان، إلى جانب رصد أوضاعهم الاقتصادية.

وتقول إندي بهولار، أمينة المعرض بكلية لندن للاقتصاد، إن المنظمين أرادوا إبراز قصص الأفراد لإتاحة الفرصة أمام الزوار للتعاطف معهم والشعور بالارتباط بتجاربهم، على رغم أن هذه الشهادات تعود إلى مدينة عاشت قبل نحو 140 عاما، مؤكدة أن كثيرا من تفاصيلها لا يزال قريبا من واقع الناس اليوم.

ومن بين المقتنيات النادرة مجموعة من المنشورات الصادرة عن رابطة الدفاع عن مستأجري هامبستيد بين عامي 1936 و1939، وتُعد من أقدم الأمثلة على المقاومة الجماعية للمستأجرين. وتوثق هذه المنشورات الاحتجاجات وإضرابات الإيجار ومعارضة إزالة الأحياء الفقيرة، فضلا عن الاعتراضات على قرارات المجلس المحلي.

وتصف غوش هذه المجموعة بأنها وثيقة تاريخية فريدة، لافتة إلى أنها تتميز برسومها التوضيحية، وبإعدادها باستخدام الورق والدبابيس المتاحة آنذاك، وهو ما يمنحها قيمة توثيقية تتجاوز مضمونها المكتوب.

ويتناول المعرض كذلك تطور حركة المقاومة الجماعية خلال العقود التالية، من خلال دليل صدر عام 1974 لاحتلال المنازل الشاغرة، يتضمن إرشادات عملية وقانونية بشأن دخول هذه المساكن وتغيير أقفالها وتنفيذ أعمال السباكة الأساسية والتصدي لمحاولات الإخلاء.

وتقول إميلي تشو، إحدى منسقات المعرض وأمينة المكتبة الأكاديمية في "سينيت هاوس"، إن العمل الجماعي وإضرابات الإيجار والاحتجاجات، إلى جانب تشجيع الناس على عدم الاستسلام لليأس بشأن المستقبل، تمثل رسائل مهمة، خصوصا أن كثيرين يشعرون بأنهم يواجهون مشكلات السكن بمفردهم، مشيرة إلى أن التعاون قد يمنح المتضررين قدرة أكبر على التأثير وإيصال مطالبهم إلى الحكومة.

ومع انتقال المعرض إلى الأوضاع المعاصرة، يستمع الزوار إلى تسجيلات صوتية لمقابلات مع أشخاص سبق أن عانوا التشرد، أجرتها مؤسسة "سانت مونجو"، إلى جانب مواد تناقش استمرار ارتفاع الإيجارات وسوء ظروف السكن.

ويعيش نحو 27% من سكان لندن في فقر نسبي بعد احتساب تكاليف السكن، وهي أعلى نسبة بين مناطق إنجلترا، فيما تمثل الإيجارات المرتفعة ونفقات السكن المحرك الرئيسي للفقر في المنطقة.

وتسجل العاصمة أيضا معدلات مرتفعة من شكاوى الرطوبة والعفن في المساكن الاجتماعية مقارنة بمناطق إنجلترا الأخرى، إذ سجلت ثماني سلطات محلية من أصل عشر في إنجلترا، أعلى أعداد من الشكاوى المتعلقة بهذه المشكلات، داخل لندن.

ويأمل القائمون على المعرض أن يشارك الزوار تجاربهم الشخصية مع مشكلات السكن عبر جدار مخصص للتعليقات، كما يدعون الجماعات التي تنشط في حملات الدفاع عن حقوق السكن إلى الاحتفاظ بموادها ووثائقها والتبرع بها، بما يضمن استمرار توثيق تاريخ التحركات الاجتماعية المطالبة بتحسين ظروف المعيشة.