أكدت دار الإفتاء المصرية أن حصول الموظف على إجازة مرضية أو مأمورية وفقًا للوائح المنظمة للعمل، وبعد موافقة المسؤولين المختصين، أمر جائز شرعًا، بينما يعد تقديم تقارير طبية وهمية أو طلب إجازات غير حقيقية بدافع الكسل والتهاون مخالفة شرعية وقانونية، لما يتضمنه ذلك من كذب وتضليل وما يترتب عليه من مفاسد.
وجاء توضيح الدار ردًا على سؤال بشأن حكم الموظف الذي يلجأ إلى تقديم أعذار طبية غير صحيحة للحصول على إجازات مرضية دون أن يكون مريضًا، وما إذا كان التكاسل عن أداء العمل يمثل مبررًا شرعيًا للكذب، إلى جانب حكم كتابة الطبيب شهادة مرضية يعلم أنها لا تعبر عن الحالة الحقيقية للمريض.
وأوضحت دار الإفتاء، عبر موقعها الرسمي، أن الحكم على الإجازات والمأموريات التي يحصل عليها الموظفون يرتبط بمدى الالتزام بالقواعد واللوائح التي تنظم العمل، والتي يلتزم بها الموظف عند توقيع عقده الوظيفي.
حكم الإجازات المرضية الوهمية في الإسلام
فرّقت دار الإفتاء بين حالتين تتعلقان بحصول الموظف على الإجازات والمأموريات؛ الأولى أن يطلب الموظف إجازة أو مأمورية بعلم رؤسائه وموافقتهم، مع خضوع الأمر لصلاحياتهم وفق نظام العمل المعمول به، وهو ما لا حرج فيه شرعًا.
أما الحالة الثانية، فتتمثل في لجوء الموظف إلى تقديم طلبات إجازة مرضية أو مأموريات غير حقيقية، دون وجود سبب فعلي يبررها، رغبة في التهرب من مسؤولياته أو تكاسلًا عن أداء واجباته. وأكدت الدار أن هذا التصرف محرم شرعًا ومخالف للقانون، لما ينطوي عليه من كذب وإضرار بمقتضيات العمل.
وشدّدت على ضرورة أن يتوب من ارتكب هذا الفعل إلى الله تعالى، ويتوقف عن تكراره، ويحرص على أداء مهامه بإخلاص وإتقان، والوفاء بالواجبات الموكلة إليه، حتى يكون كسبه حلالًا وعيشه طيبًا، ويسهم في خدمة مجتمعه ووطنه.
ما حكم الطبيب الذي يكتب إجازة مرضية غير حقيقية؟
أكدت دار الإفتاء أن الطبيب يتحمل مسؤولية شرعية ومهنية عند تحرير التقارير الطبية التي تُستخدم للحصول على الإجازات المرضية، ولذلك يجب عليه التحقق من حالة المريض، وكتابة ما يتفق مع حقيقة وضعه الصحي، دون تقصير أو تهاون أو تغيير متعمد للحقائق من خلال الألفاظ المستخدمة في التقرير.
وأوضحت أن التقرير الطبي يمثل عنصرًا أساسيًا في تحديد وجود المرض من عدمه، وأن الطبيب مؤتمن على ما يكتبه ويقرره، ومن ثم لا يجوز له إصدار شهادة مرضية يعلم أنها غير صحيحة، وإلا شارك الشخص الذي يدعي المرض كذبًا في الإثم.
الإفتاء تحذر من التمارض والكذب بشأن الحالة الصحية
لفتت دار الإفتاء إلى أن ادعاء المرض للحصول على إجازة دون وجه حق من التصرفات المنهي عنها شرعًا، لأنه يتضمن الإخبار بما يخالف الحقيقة، فضلًا عن كونه جحودًا لنعمة الصحة التي تعد من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان.
وأشارت إلى أن شكر النعم سبب في بقائها وزيادتها، بينما يؤدي جحودها إلى زوالها، مؤكدة أن الأصل في المسلم الالتزام بالصدق والابتعاد عن الكذب في أقواله وأفعاله.
واستشهدت الدار بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
كما استدلت بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»، وهو حديث متفق عليه.
واستشهدت كذلك بما روي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما، أنه قال: «حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ». وقد رواه أحمد في «المسند»، والترمذي في «السنن» وصححه، وكذلك النسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
هل الكسل عذر شرعي للحصول على إجازة مرضية؟
شددت دار الإفتاء على أن الكسل والتثاقل عن أداء المهام لا يمثلان عذرًا شرعيًا يبيح للموظف ادعاء المرض أو الحصول على إجازة مرضية بغير حق، بل إن التهاون في العمل يعوق الإنجاز ويحول دون أداء المسؤوليات، ويؤثر سلبًا في الجهود الرامية إلى تقدم المجتمعات ونهضة الأمم.
ووصفت الدار الكسل بأنه داء مهلك يعطل العمل الجاد والسعي النافع، داعية الموظفين إلى الابتعاد عنه، والحرص على إنجاز المهام الموكلة إليهم، وعدم اتخاذ الأعذار الكاذبة وسيلة للتهرب من المسؤوليات.
وأشارت إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يستعيذ بالله من العجز والكسل، مستشهدة بما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ وَالبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ»، وهو حديث متفق عليه.
وشددت دار الإفتاء على أهمية تحري الصدق في التعاملات الوظيفية والطبية، والالتزام بالقواعد المنظمة للعمل، وأداء الأمانة المهنية، بما يضمن حصول الموظف على حقوقه المشروعة دون اللجوء إلى الكذب أو التهرب من الواجبات.



