قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عبد السلام فاروق يكتب: في ذكري أيام المجد

عبد السلام فاروق
عبد السلام فاروق

 أيام المجد والانتصار فى تاريخنا التليد كثيرة، أيام عظيمة كأنها هي التاريخ ذاته..

ويوم السادس من أكتوبر 1973 واحد من الأيام النادرة؛ حينما خرجت مصر من صمت ما بعد الهزيمة إلى صيحة النصر، ومن مرارة يونيو 1967 إلى فرحة العبور، ومن سؤال متى نسترد الأرض؟ إلى حقيقة دور الإرادة والعلم والتخطيط والتضحية في تغيير موازين القوي فى الإقليم والعاليم.

في الثانية ظهراً من ذلك اليوم المشرق، باتت قناة السويس على موعد مع أبنائها الأبطال وقد توقفت عن كونها مجرد مجرى مائي يفصل بين ضفتين؛ فصارت أماً رؤوماً تحتضن ذريتها بشوق بعد طول فراق.. وارتوت أرض سيناء بدماء الشهداء، لتطرح لنا أشجار الكرامة والمجد..

كالعنقاء تنهض من رفاتها

تحولت ذكري أكتوبر إلى أسطورة كبري، وحق لها أن تكون..

ولكي ندرك عظمة أكتوبر، لا بد أن نتذكر قسوة الطريق الذي سبقها؛ ففي أعقاب هزيمة يونيو 1967، لم تكن مصر تواجه احتلالاً، بل جرحاً غائرا ًفى صميم الكرامة والثقة والهيبة وتحدياً وجودياً يتعلق بقدرتها على استعادة زمام المبادرة.. لهذا بدأت عملية مضنية لإعادة بناء القوات المسلحة وتنظيمها وتسليحها وتدريبها، بالتوازي مع حرب الاستنزاف التي امتدت من عام 1967 إلى عام 1970، واكتسب خلالها الجيش المصري خبرة قتالية مهمة، واختبرت قدراته في ظروف حقيقية، وتعلم من أخطاء الماضي.. وهنا يكمن أحد أهم أسرار أكتوبر، النصر لم يبدأ يوم العبور، وإنما بدأ يوم قررت مصر أن تتجاوز هزيمتها.

لم تكن الحرب مغامرة متهورة، بل قراراً سياسياً وعسكرياً دقيقاً في بيئة دولية تضغط على القاهرة من كل جانب؛ فالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في أتون حرب باردة، والشرق الأوسط أحد ميادين الصراع بين القوتين، فيما كانت إسرائيل تمتلك تفوقاً فى التسليح والقوة الجوية وتحظى بدعم أمريكي لا ينقطع، ومع ذلك قررت مصر أن تحارب وتكبد عدوها خسائر فادحة قبل مجيء الحرب الكبري.

 وحين بني خط بارليف الذي تحول بالدعاية إلى رمز لاستحالة النصر التام.. امتدت التحصينات على طول الضفة الشرقية للقناة، وأُنشئت فيها مواقع محصنة وامتدت أنابيب النابالم الحارق، وهكذا قام الساتر الترابي المرتفع لصد أية محاولة لعبور القوات والمعدات.. ثم ظهرت العبقرية المصرية لتهدم المستحيل؛ جاء التخطيط البارع لاختراق الحاجز كجزء من منظومة عملياتية متكاملة تمهيد نيراني، عبور للمشاة، استخدام للمهندسين العسكريين، فتح الثغرات في الساتر الترابي، إقامة الكباري، تشغيل المعديات، ثم نقل القوات والمعدات إلى الضفة الشرقية وتثبيت رؤوس الكباري.. وهكذا بدأ العبور العظيم كأروع حدث فى تاريخنا المعاصر..

معركة السماء والأرض

المشهد الذي ترسخ فى الذاكرة المصرية هو مشهد الجنود يعبرون فوق الجسر للضفة الأخري بالأسلحة ومضخات المياه وعلم مصر الذي سرعان ما رفرف خفاقاً فوق قمة الساتر الترابي معلناً هدم الأسطورة.. المشهد الذي بدا بسيطاً كانت وراءه منظومة هائلة من المنجزات الكامنة خلف كواليس مسرح العمليات.. منظومة طيران ومدفعية ومهندسون عسكريين عملوا تحت النيران، وأطقم دفاع جوي تؤمّن المجال الحيوي، ووحدات مدرعة تستعد لدورها، وقوات مشاة تتخذ مواقعها، وقيادات العمليات تدير المعركة لحظة بلحظة.. ليس انتصار سلاح واحد، بل انتصار العمل الجماعي المتكامل.. هكذا نجحت قواتنا الباسلة خلال المرحلة الأولى في اقتحام مواقع خط بارليف وتثبيت رؤوس الكباري شرق القناة، كل هذا فى زمن لا يتجاوز ست ساعات فحسب.. وتحقق الانتصار المعنوي الأول للجيش، قبل أن تحتدم المعركة وتمتد..

وإذا كان العبور أشهر مشاهد نصر أكتوبر، فإن الدفاع الجوي كان أحد مفاتيحه الحاسمة.. لقد أدركت القيادة أن القوات العابرة لا بد لها من غطاء ضد الهجمات الجوية الإسرائيلية بالصواريخ الدفاعية، وفي الوقت نفسه لعبت القوات الجوية المصرية دوراً مهماً في الضربة الافتتاحية وفي العمليات اللاحقة..

وفي الرابع عشر من أكتوبر وما تلاه، شهدت سماء الدلتا واحدة من أشهر المعارك الجوية في الحرب، وهي معركة المنصورة الجوية، التي أصبحت رمزاً لصمود الطيارين المصريين في مواجهة غارات جوية كثيفة.. جرت الحرب إذن على أكثر من جبهة في الوقت نفسه، في الماء، وعلى الأرض، وفي السماء، وفي غرف العمليات..

العالَم يدخل الحرب

 غير أن أكتوبر لم يكن معزولاً عن العالم.. فمع تطور العمليات، تحولت الحرب لأزمة دولية كبرى، حيث قدم الاتحاد السوفيتي دعماً عسكرياً لمصر وسوريا، فيما أقامت الولايات المتحدة جسراً جوياً ضخماً لإمداد إسرائيل بالسلاح، لتصبح المواجهة جزءاً من لعبة الحرب الباردة نفسها.. وفي أخطر مراحل الأزمة، اقتربت واشنطن وموسكو من مواجهة مباشرة، ووصل التوتر إلى درجة دفعت الولايات المتحدة لرفع حالة التأهب النووي في 25 أكتوبر 1973، وفق وثائق وزارة الخارجية الأمريكية؛ وهذا يكشف حجم ما كان يجري خلف المشهد العسكري..

لم تكن مصر تحارب وحدها في فراغ سياسي؛ كانت تتحرك في بيئة دولية شديد التعقيد، حيث يمكن لأي تغير في ميدان المعركة إثارة أزمة بين القوتين العظميين، وقد تميل الكفة لصالح ابنة أمريكا المدللة إسرائيل كنتيجة لهذا التدخل.. ومن هنا فإن قراءة أكتوبر باعتبارها معركة عسكرية فقط هي قراءة قاصرة؛ لأنها تحولت لاحقاً لمعركة سياسية واستراتيجية ودبلوماسية..

الإنصاف التاريخي يقتضي ألا نختزل الحرب في مشهد العبور وحده.. فبعد نجاح المرحلة الأولى، تغيرت طبيعة العمليات، ووقعت معارك عنيفة، وتبدلت المبادرة في بعض القطاعات، وحدثت الثغرة، لكن هذه التطورات لم تؤثر على فرحتنا بعبور القناة وتحطيم تحصينات خط بارليف وتغيير قواعد الصراع، فالحروب لا تقاس دائمًا بسؤال من انتصر في كل معركة فرعية؟ وهنا تبدو أهمية أكتوبر بجلاء؛ فقبل الحرب كان الاحتلال الإسرائيلي لسيناء واقعاً عسكرياً فرض نفسه على المنطقة، وبعد الحرب تغيرت المعادلة؛ إذ أصبح استرداد الأرض واقعاً مهيمناً، وعادت القضية إلي طاولة السياسة من موقع المنتصر، وبدأ مسار انتهى لاحقًا باتفاقيات فض الاشتباك ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.. استرداد سيناء كان جزءاً من الانتصار، والأهم ما حدث من اختراق استراتيجي أعاد صياغة حسابات الصراع.

مدائن الكفاح

في الأيام الأخيرة من الحرب، اكتسبت مدينة السويس مكانة خاصة؛ فبعد تطورات الثغرة ووصول القوات الإسرائيلية إلى غرب القناة، حاولت القوات الإسرائيلية السيطرة على المدينة، لكنها واجهت مقاومة شرسة من القوات المسلحة وأهالي السويس أنفسهم.. هنا ظهر مشهد جديد رائع من مشاهد أكتوبر المجيدة، حينما تحولت المدينة كلها إلى بطل أسطوري يخلده التاريخ، بات الدفاع عن السويس بمثابة نموذج فريد للصمود الشعبي فى زمن الحرب. إنها مدينة باسلة طالما سطرت أروع نماذج البطولة على مدار تاريخها الممتد.. لقد كان الوطن كله يحارب وينتصر وينزف فداء الوطن..

 إن الذين عبروا القناة ليسوا أرقاماً في تعداد الجيش، كل فرد منهم حكاية بطولة لم تسرد بعد، وكل نقطة دم سالت من عروقهم أنبتت لنا ثمار التحرر والنصر والعزة.. إن المجد الذي نراه اليوم في كتب التاريخ سطوراً براقة دُفعت أثمانه من أعمار ودماء أبطالنا الأبرار؛ ولذلك تبقى تحية أكتوبر الأولى للشهداء، ثم لأسرهم، ثم لكل من حمل السلاح وخطط وانتصر.

ثمة أجيال مصرية ولدت بعد أكتوبر بسنوات طويلة، ولم ترَ القناة يوم العبور، ولم تسمع أزيز الطائرات فوق سيناء، ولم تشاهد الدبابات وهي تعبر الجسور، لكنها حملت شيئاً من ذلك النصر في ذاكرتها اليومية؛ في العلم الذي يرفرف خفاقاً عالياً. في أسماء الشوارع والمدارس والميادين. لتغدو احتفالات أكتوبر مناسبة جليلة للاحتفاء بقيمة الدفاع عن الأرض، وبقدرة الإنسان المصري على مواجهة المحنة، وبالتضحيات التي بُذلت لاستعادة الكرامة والأرض..

قد تتطور الأسلحة وتتبدل خرائط العالم وتتحسن التقنيات من الطائرة للصاروخ للذكاء الاصطناعي، لكن تظل الثوابت كما هي؛ أن التخطيط يصنع الفارق، وأن العلم هو الأساس، ويظل الإنسان هو العنصر الأهم لتحقيق النصر المؤزر.

لقد أثبت أكتوبر أن التفوق المادي وحده لا يكفي، وأن عنصر المفاجأة والتخطيط والقيادة والروح المعنوية والقدرة على تحمل الخسائر وتوظيف الإمكانات المحدودة يغير حسابات القوة؛ ومن هنا تبقى حرب أكتوبر موضوعًا مفتوحاً للدراسة، لا مجرد مناسبة للاحتفال، فكل ذكرى لها وجهان وجه الزهو، ووجه المسئولية.. أما الفخر والاعتزاز فبالنصر والبطولة، وأما المسئولية، فلأن الأوطان تطلبنا دوماً لمعركة التنمية الباقية.. وهكذا يظل أكتوبر حياً فى قلوبنا على الدوام.