نشرت دار الإفتاء المصرية عبر صفحتها الرسمية بفيسبوك توضيحًا بشأن حكم قراءة القرآن الكريم وإهداء ثوابه إلى المتوفى، مؤكدة أن هذا العمل جائز شرعًا، وأن ثواب القراءة يصل إلى الميت وينتفع به بإذن الله تعالى.
واستندت الدار في بيانها إلى ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في انتفاع المتوفى بأعمال البر التي تُهدى إليه، مستشهدة بحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه: «إنه لو كان مسلمًا فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك»، رواه أبو داود.
وأوضحت أن الحديث يدل على انتفاع الميت بثواب الأعمال الصالحة التي يقوم بها الأحياء نيابة عنه، مشيرة إلى أن الفقهاء لم يفرقوا في هذا الباب بين العتق والصدقة والحج وقراءة القرآن، وأن القربة التي يؤديها المسلم ويجعل ثوابها للمتوفى يُرجى أن تنفعه بإذن الله.
وشددت دار الإفتاء على أهمية إخلاص النية لله تعالى عند قراءة القرآن الكريم، مع الحرص على القراءة بخشوع وتدبر، حتى يؤدي المسلم العبادة على الوجه الصحيح.
حكم قراءة القرآن على القبور
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء، أن قراءة القرآن الكريم من العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، موضحًا أن الأمر الشرعي بقراءته جاء عامًا، والأصل في الأمر المطلق شموله للأماكن والأزمنة والأحوال المختلفة، ما لم يرد دليل يستثني حالة بعينها أو يقيدها.
وأوضح علي جمعة أن قراءة القرآن على الميت، سواء في أثناء احتضاره أو بعد وفاته، وفي المنزل أو المسجد أو عند القبر، خلال الدفن أو بعده، جائزة شرعًا، ولا حرج فيها وفق ما ذهب إليه جمهور العلماء.
وأشار إلى أن بعض فقهاء المذهب المالكي قالوا بكراهة القراءة عند القبر تحديدًا، إلا أن الشيخ الدردير نقل أن المتأخرين من المالكية لا يرون بأسًا بقراءة القرآن والذكر وإهداء الثواب للميت، وأنه يحصل له الأجر بإذن الله، وذلك في كتاب «الشرح الكبير» ضمن باب زيارة القبور.
وأضاف جمعة أن عددًا من العلماء عبر العصور ألّفوا كتبًا ورسائل تناولت هذه المسألة، من بينهم الإمام الخلال الحنبلي في كتابه «القراءة على القبور»، والحافظ شمس الدين المقدسي الحنبلي، والسيد عبد الله الغماري في كتابه «توضيح البيان لوصول ثواب القرآن»، إلى جانب علماء آخرين بحثوا المسألة من جوانبها الفقهية المختلفة.
الأدلة على وصول ثواب القراءة للميت
واستدل مفتي الجمهورية السابق بعدد من الأحاديث والآثار التي تناولت قراءة القرآن عند الميت، من بينها حديث معقل بن يسار رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اقرءوا يس على موتاكم»، وهو الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم، وذكر جمعة أنه يشمل حال الاحتضار وما بعد الوفاة.
كما استشهد بما رُوي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه بفاتحة الكتاب، وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة في قبره»، وهو حديث أخرجه الطبراني والبيهقي في «شعب الإيمان»، ونقل جمعة أن الحافظ ابن حجر حسنه، مع ورود رواية أخرى بلفظ «بفاتحة البقرة» بدلًا من «فاتحة الكتاب».
وأشار كذلك إلى ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما من وصيته بأن يُقرأ عند دفنه بفاتحة سورة البقرة وخاتمتها، وهو أثر أخرجه الخلال، ونقل جمعة تصحيح ابن قدامة له وتحسين النووي.
ومن الأدلة التي ذكرها أيضًا ما رُوي عن أنس رضي الله عنه مرفوعًا: «من دخل المقابر، فقرأ فيها يس، خفف الله عنهم يومئذ، وكان له بعددهم حسنات»، وهو مما أورده صاحب كتاب «القراءة على القبور»، وذكره ابن قدامة في كتاب «المغني».
هل يوجد خلاف فقهي بشأن إهداء ثواب القرآن للميت؟
وأوضح علي جمعة أن الخلاف الفقهي في هذه المسألة محدود، وأن القول باستحباب قراءة القرآن وإهداء ثوابه للمتوفى هو الأقوى في نظره، لافتًا إلى أن عددًا من العلماء نقلوا الإجماع على انتفاع الميت ببعض القربات التي يؤديها الأحياء عنه.
واستشهد بما ذكره الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في كتاب «المغني»، من أن أي قربة يؤديها المسلم ويجعل ثوابها للميت المسلم يُرجى أن تنفعه بإذن الله، مستدلًا باجتماع المسلمين في مختلف العصور والأمصار على قراءة القرآن وإهداء ثوابه إلى موتاهم دون إنكار.
كما نقل عن الشيخ العثماني في كتابه «رحمة الأمة في اختلاف الأئمة» أن العلماء أجمعوا على انتفاع الميت بالاستغفار والدعاء والصدقة والحج والعتق، ووصول ثواب هذه الأعمال إليه، مع استحباب قراءة القرآن عند القبر.
كيف يصل ثواب قراءة القرآن إلى المتوفى؟
وأشار جمعة إلى أن العلماء استدلوا على وصول ثواب قراءة القرآن للميت بجواز الحج عنه وانتفاعه بثوابه، موضحًا أن الحج يتضمن الصلاة، التي تُقرأ فيها الفاتحة وغيرها من آيات القرآن، ومن ثم استُدل بوصول ثواب العمل المركب على إمكان وصول ثواب القراءة أيضًا عند إهدائها للمتوفى.
وأضاف أن جمهور العلماء يرون وصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت إذا نوى القارئ إهداءه إليه، بينما ذهب الشافعية إلى أن الثواب يصل إليه على سبيل الدعاء، كأن يقول القارئ: «اللهم اجعل مثل ثواب ما قرأت لفلان»، دون اعتبار ذلك إهداءً للعمل نفسه.
واختتم مفتي الجمهورية السابق توضيحه بالتأكيد أن الخلاف في هذه المسألة لا ينبغي أن يكون سببًا للنزاع بين المسلمين، في ظل وجود أقوال معتبرة لدى العلماء تجيز قراءة القرآن وإهداء ثوابه للمتوفى، مع رجاء انتفاعه به ونيل الرحمة بإذن الله تعالى.



