تتجه الأنظار إلى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، في ظل مشهد سياسي معقد تتداخل فيه تداعيات هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب على قطاع غزة، والصراع مع إيران، مع تصاعد الخلافات الداخلية وأزمات الثقة في الحكومة، فضلًا عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المجتمع الإسرائيلي.
وتفتح هذه التطورات الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل بنيامين نتنياهو السياسي، وفرص استمراره في السلطة، والسيناريوهات المحتملة لتشكيل الحكومة المقبلة، في ظل نظام انتخابي قائم على التمثيل النسبي وتحالفات حزبية شديدة التعقيد.
التقى «صدى البلد» السفير عاطف سالم، سفير مصر السابق لدى تل أبيب، للوقوف على أبرز ملامح المشهد الانتخابي الإسرائيلي، والسيناريوهات المحتملة لمستقبل نتنياهو، ومدى تأثير تداعيات الحرب والانقسامات الداخلية واتجاهات الرأي العام في تحديد نتائج الانتخابات المقبلة.
أكد السفير عاطف سالم، سفير مصر السابق لدى تل أبيب، أن التوقعات بشأن نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تظل صعبة، في ظل تعقيدات النظام الانتخابي الإسرائيلي وتعدد العوامل السياسية والأمنية التي تتحكم في اتجاهات الناخبين، محذرًا من الاعتماد على استطلاعات الرأي وحدها في تحديد نتائج الانتخابات.
وأوضح سالم، أن التجارب الانتخابية السابقة في إسرائيل أظهرت أن استطلاعات الرأي لا تعكس بالضرورة النتائج النهائية، مستشهدًا بما حدث في انتخابات عام 1988 بين شيمون بيريز وإسحاق شامير، حين رجحت استطلاعات الرأي فوز بيريز، قبل أن تتغير الموازين ويخسر الانتخابات.
وأشار إلى ضرورة التمييز بين استطلاعات الرأي والدراسات البحثية القائمة على عينات كبيرة وتحليلات منهجية، لافتًا إلى أن بعض الدراسات المتعلقة بثقة الإسرائيليين في المؤسسات والأحزاب السياسية أظهرت تراجعًا ملحوظًا في مستويات الثقة، مقابل مستويات أعلى في مؤسسات أخرى، من بينها الجيش.
وأضاف أن النظام الانتخابي في إسرائيل يتسم بالتعقيد، ويخضع لمجموعة من القوانين والقواعد المنظمة لانتخابات الكنيست وتشكيل الحكومات وتمويل الأحزاب، فضلًا عن نظام التمثيل النسبي ونسبة الحسم، الأمر الذي يجعل تشكيل الحكومة مرهونًا بالتوازنات الحزبية وقدرة الكتل السياسية على بناء ائتلافات برلمانية.

حكومة وحدة وطنية.. أحد السيناريوهات المطروحة أمام نتنياهو
وفيما يتعلق بمستقبل بنيامين نتنياهو السياسي، طرح السفير عاطف سالم سيناريو تشكيل حكومة وحدة وطنية باعتباره أحد الاحتمالات الواردة، خاصة إذا أسفرت الانتخابات عن حالة من الجمود السياسي وصعوبة تشكيل حكومة مستقرة.
وأوضح أن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج سبق أن أشار إلى ضرورة البحث عن حلول في حال تعثر العملية السياسية، ومن بينها تشكيل حكومة وحدة وطنية، مستحضرًا تجارب سابقة شهدت ترتيبات لتقاسم السلطة بين بنيامين نتنياهو وبيني جانتس.
وأشار سالم إلى إمكانية ظهور ترتيبات سياسية جديدة لتقاسم رئاسة الحكومة بين نتنياهو وشخصية أخرى، بما يتيح لكل طرف تولي المنصب لفترة محددة، وفقًا للتفاهمات التي قد تفرضها نتائج الانتخابات وموازين القوى داخل الكنيست.

هل يصبح نتنياهو رئيس إسرائيل القادم؟
وطرح سالم سيناريو آخر يتمثل في احتمال سعي نتنياهو إلى الوصول إلى منصب رئيس دولة إسرائيل، ضمن ترتيبات سياسية قد تتبلور عقب الانتخابات المقبلة.
وأوضح أن هذا الاحتمال قد يرتبط بالتوصل إلى اتفاق لتشكيل حكومة وحدة وطنية، يتولى بموجبه نتنياهو رئاسة الحكومة خلال العامين الأولين، على أن يتولى شريكه السياسي المنصب خلال العامين التاليين، بما يتيح لنتنياهو الانتقال لاحقًا إلى موقع رئاسة الدولة، حال توافرت الظروف والتوافقات السياسية اللازمة.
ولفت إلى أن انتهاء ولاية الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج خلال الفترة المقبلة قد يفتح المجال أمام طرح أسماء جديدة للمنصب، ومن بينها نتنياهو، في إطار حسابات سياسية تتجاوز مجرد المنافسة على رئاسة الحكومة.
وأشار إلى أن طموحات نتنياهو السياسية ورغبته في الاستمرار بالسلطة تمثلان عاملًا مؤثرًا في حساباته، مشيرًا إلى ما ورد في كتاب نشرته روت بار، التي ارتبط اسمها بدائرة نتنياهو، بشأن شخصيته وأسلوبه في التعامل مع خصومه السياسيين، واعتبر أن هذا العامل قد ينعكس على خياراته خلال المرحلة المقبلة، في ظل تعدد السيناريوهات المطروحة أمام المشهد السياسي الإسرائيلي.
تداعيات السابع من أكتوبر تعقد حسابات الانتخابات
وأكد سفير مصر السابق لدى تل أبيب أن تداعيات هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب على قطاع غزة ستظل من أبرز العوامل المؤثرة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، في ظل ما أحدثته الحرب من أزمات سياسية وأمنية ومجتمعية.
وأوضح أن اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي، بما تتضمنه من توجهات يمينية متصاعدة وفقًا لبعض الاستطلاعات، ستلعب دورًا مهمًا في تحديد طبيعة المنافسة الانتخابية، إلى جانب التحقيقات الرسمية المتعلقة بأحداث السابع من أكتوبر، والانتقادات الموجهة إلى الحكومة، والعزلة الدولية التي تواجهها إسرائيل.
واستشهد سالم بتصريحات سابقة للسفير الإسرائيلي لدى واشنطن بشأن التحول الذي شهدته الأوضاع بعد السابع من أكتوبر، معتبرًا أن هذه الأحداث أحدثت فارقًا كبيرًا في المشهد الإسرائيلي، وجعلت من الصعب التنبؤ باتجاهات الناخبين ونتائج الانتخابات المقبلة.
وأضاف أن الحياة السياسية الإسرائيلية اتسمت تاريخيًا بعدم الاستقرار، مشيرًا إلى أن متوسط عمر الحكومات الإسرائيلية منذ قيام الدولة وحتى الآن يقدر بنحو عام وتسعة أشهر، وفقًا لما أورده، وهو ما يعكس صعوبة الحفاظ على ائتلافات حكومية متماسكة لفترات طويلة.
وأوضح أن استمرار الحكومة الحالية يرتبط، إلى حد كبير، بالمصالح المشتركة بين نتنياهو والأحزاب الدينية واليمينية المتطرفة المشاركة في الائتلاف، فضلًا عن مخاوف تتعلق بتداعيات تفكك التحالف الحاكم واحتمالات تصاعد الانقسامات السياسية والأمنية خلال الاستحقاق الانتخابي.
«جيروزاليم بوست»: تداعيات حرب غزة تطارد مليوني شاب إسرائيلي
وفي سياق متصل، أشار السفير عاطف سالم إلى تقرير نشرته صحيفة «جيروزاليم بوست» بشأن التداعيات التي خلفتها حرب غزة على الشباب الإسرائيليين، موضحًا أن أوضاع هذه الفئة قد تمثل عاملًا مؤثرًا في اتجاهات التصويت خلال الانتخابات المقبلة.
وأوضح سالم أن التقرير تناول أوضاع مليوني شاب إسرائيلي شاركوا في الحرب أو تأثروا بتداعياتها، مشيرًا إلى ما أورده بشأن تعرض قطاعات منهم لأزمات اقتصادية واجتماعية ونفسية انعكست على حياتهم اليومية.
وأضاف أن البيانات الواردة في التقرير، وفقًا لما ذكره، تشير إلى أن 28% فقدوا وظائفهم، فيما اضطر 23% إلى ترك دراستهم، وعانى 53% مشكلات مالية، بينما واجه 50% تدهورًا في ظروف حياتهم، وهي مؤشرات تعكس حجم الضغوط التي خلفتها الحرب على قطاعات من الشباب الإسرائيلي.
ولفت إلى أن تداعيات الحرب امتدت إلى المؤسسة العسكرية أيضًا، مشيرًا إلى ما أورده بشأن تسريح أكثر من 7 آلاف و240 جنديًا وضابطًا خلال العام الأول للحرب، في ظل التحديات التي واجهتها إسرائيل على المستويين العسكري والمجتمعي.
وأكد سالم أن هذه الأوضاع قد تنعكس على خيارات الناخبين وتقييمهم لأداء الحكومة، لا سيما في ظل استمرار تداعيات هجوم السابع من أكتوبر والحرب على قطاع غزة، معتبرًا أن الشباب المتأثرين بالحرب يمثلون شريحة مهمة في المعادلة الانتخابية المقبلة.
واختتم السفير عاطف سالم حديثه، بالتأكيد على أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ستتأثر بمجموعة متشابكة من العوامل، تشمل تداعيات السابع من أكتوبر، ومستقبل الحرب على غزة، واتجاهات الرأي العام، وأداء الحكومة، وطبيعة التحالفات الحزبية، فضلًا عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يجعل حسم نتائجها أو التنبؤ بمآلاتها أمرًا بالغ الصعوبة.



