قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن محبة الله ليست دعوى باللسان، وإنما مقام يُبنى في القلب، وتظهر آثاره في الطاعة والسلوك؛ ولها أسباب تزيدها، وعلامات تدل عليها.
وأضاف جمعة، فى منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الإجتماعي فيسبوك، أن من الأسباب التي تقوِّي محبة الله عز وجل عند العبد: التخلية والتحلية؛ فتُخلِّي قلبك من كل محبة تنازع محبة الله أو تُقدَّم عليها، وتُحلِّيه بمحبة الله سبحانه وتعالى.
واستشهد جمعة، بقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فإذا قوي حب الله في القلب أورث صاحبه لذةً في الطاعة والقرب منه سبحانه وتعالى.
علامات محبة الله
وأشار الى أن محبة الله للعبد لها علامات ذكرها القرآن الكريم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
فالقرآن يبين لنا صفات يحب الله أصحابها؛ من التوبة، والطهارة، والثبات على الحق، والطاعة والإحسان، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فالاتباع من أعظم علامات صدق المحبة؛ فمن أحب الله اتبع سيدنا رسول الله ﷺ.
ورُوي عن سيدنا رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الْإِيمَانَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ».
فالدنيا ليست هي المقياس الحقيقي لمحبة الله، وإنما المقياس فيما يفتح الله به على العبد من الإيمان والطاعة والقرب منه.
وأوضح لنا سيدنا رسول الله ﷺ طريق الوصول إلى محبة الله في الحديث القدسي الصحيح، فقال فيما يرويه عن رب العزة سبحانه وتعالى:«وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ...».
فالطريق يبدأ بالفرائض، ثم يزداد العبد قربًا بالنوافل حتى يبلغ مقام المحبة، ورُوي أيضًا: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ تَعَالَى عَبْدًا ابْتَلَاهُ، فَإِنْ صَبَرَ اجْتَبَاهُ، وَإِنْ رَضِيَ اصْطَفَاهُ»، والجمال في هذا المعنى هو التدرج في العلاقة مع الله: ابتلاء، فصبر، فرضا، فاصطفاء.
وهذا كله يبين لنا أن محبة الله سبحانه وتعالى يتفرع عنها حب الإسلام، وحب الشريعة، وحب سيدنا رسول الله ﷺ، وحب الطاعة والقرب من الله.
ومحبة الله ليست حالة وجدانية ساكنة، وإنما تؤثر في النفس والسلوك، ورُوي: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ تَعَالَى عَبْدًا جَعَلَ لَهُ وَاعِظًا مِنْ نَفْسِهِ، وَزَاجِرًا مِنْ قَلْبِهِ».
أي: ينشأ في قلبه وازع داخلي يردُّه عن المعصية، ويدعوه إلى الخير، ويجعله يقبل النصيحة، ويستجيب لمن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر.
فمحبة الله إذا استقرت في القلب ظهرت آثارها في الطاعة، والاتباع، والتوبة، والإحسان، ومجاهدة النفس، حتى يصبح القلب نفسه داعيًا إلى الخير وزاجرًا عن الشر.



