قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

بلال قنديل يكتب: الحقيقة والسراب

بلال قنديل
بلال قنديل

ليست كل الأشياء كما تبدو لنا، فهناك حقائق تختبئ خلف الوجوه، وأوهام ترتدي ثوب اليقين حتى نعجز عن التفرقة بينها وبين الواقع.

وفي كثير من الأحيان لا تكون المشكلة فيما نراه، بل فيما نريد أن نراه، إذ قد يدفعنا التعلق إلى تجاهل الإشارات الواضحة، ويجعلنا نتمسك بصورة رسمناها في خيالنا، رغم أن الواقع يحاول إقناعنا بعكسها.

هكذا تبدأ الحكاية، بفكرة تبدو مقنعة، أو شخص نظن أنه مختلف، أو حلم نعتقد أن الوصول إليه سيغير كل شيء. نمنح البدايات أكثر مما تحتمل، ونبني على الكلمات قصورا من التوقعات، ثم نمضي في الطريق مدفوعين بالأمل، غير مدركين أن بعض الطرق لا تقودنا إلى ما نبحث عنه، بل تكشف لنا كم ابتعدنا عن الحقيقة.

ولعل أقسى ما في الأمر أن السراب لا يظهر دائما في صورة شيء زائف يسهل اكتشافه، بل قد يأتي في هيئة فرصة نادرة، أو علاقة دافئة، أو وعد ننتظره منذ سنوات. يمنحنا ما يكفي من الأمل لنواصل السير، ثم يتراجع كلما اقتربنا منه، حتى نجد أنفسنا قد استنزفنا أعمارنا في مطاردة شيء لم يكن موجودا إلا في تصوراتنا.

وفي العلاقات تحديدا، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح مؤلم. فقد نمنح بعض الأشخاص مكانة لا يستحقونها، ونفسر غيابهم بالانشغال، وقسوتهم بالظروف، وتغيرهم بتعب عابر، لا لأن الأدلة غائبة، بل لأن الاعتراف بها يعني أن نواجه حقيقة حاولنا طويلا الهروب منها. وهنا لا يعود الخداع مسؤولية من خدعنا وحده، بل يصبح صمتنا عن رؤية الواقع سببا في استمرار الوهم.

لكن إلى متى يمكن للإنسان أن يؤجل المواجهة؟ وإلى متى يستطيع أن يقنع نفسه بأن ما يؤلمه اليوم سيصبح غدا مصدر راحته؟ لا بد أن تأتي لحظة تتوقف فيها الأعذار عن إقناعنا، وتتحدث المواقف بوضوح لا يحتمل التأويل. عندها ندرك أن بعض ما تمسكنا به لم يكن يستحق كل تلك التضحيات، وأننا لم نكن نخشى خسارة الأشخاص بقدر ما كنا نخشى الاعتراف بأن الصورة التي أحببناها لم تكن حقيقية.

ومع ذلك، فإن انكشاف الحقيقة ليس نهاية الطريق، وإن بدا في لحظته أشبه بالخسارة. ففي بعض النهايات بداية لا نراها إلا بعد أن تهدأ مشاعرنا، وفي بعض الخيبات فرصة لاستعادة ما فقدناه من أنفسنا. وحين نتوقف عن تبرير ما لا يمكن تبريره، نبدأ في فهم الحياة بصورة أكثر نضجا، ونتعلم أن قيمة العلاقات لا تقاس بطول بقائها، بل بصدقها، وأن قيمة الأحلام لا تكمن في جمالها، بل في قدرتها على أن تقودنا إلى واقع يستحق أن نعيشه.

ولا يعني ذلك أن نغلق أبوابنا أمام الناس، أو أن نتعامل مع كل وعد باعتباره خدعة، فالحياة لا تخلو من الصادقين، كما أن التجارب القاسية لا ينبغي أن تحولنا إلى أشخاص يخشون كل بداية. المطلوب ليس أن نفقد الأمل، بل أن نمنحه لمن يستحقه، وأن نترك مساحة للعقل كي يرى ما قد يحجبه القلب، وأن نفهم أن حسن الظن لا يعني إنكار الوقائع، وأن الوفاء لا يفرض علينا البقاء في الأماكن التي تستنزف أرواحنا.

إن الفرق بين الحقيقة والسراب لا يظهر دائما في اللحظة الأولى، لكنه يتضح حين نختبر الأشياء، ونراقب الأفعال، ونمنح الزمن فرصة لكشف ما تخفيه المظاهر. فالحقيقة قد تكون قاسية، لكنها تمنحنا أرضا ثابتة نقف عليها، أما السراب فقد يبدو جميلا، لكنه يتركنا في نهاية المطاف أكثر عطشا وضياعا.

وفي النهاية، ليست الشجاعة أن نتمسك بكل ما أحببناه، بل أن نمتلك القدرة على التخلي عما ثبت زيفه، مهما كان قريبا من قلوبنا. وليست الخسارة أن نكتشف أننا أخطأنا الطريق، بل أن نعرف ذلك ونواصل السير فيه خوفا من الاعتراف بالخطأ.

فلا تجعل أمنياتك تحجب عنك ما تكشفه الأيام، ولا تسمح لخوفك من الفقد أن يقيدك بوهم استنزف عمرك. انظر إلى الأشياء كما هي، لا كما تتمنى أن تكون، فالحقيقة مهما أوجعتك تمنحك فرصة للبدء من جديد، أما السراب فيتركك تركض طويلا، حتى تكتشف أنك لم تبتعد عن نقطة البداية فحسب، بل ابتعدت عن نفسك أيضا.