حين تُذكر إسرائيل في وسائل الإعلام العالمية غالبًا ما تتجه الأنظار إلى قدراتها العسكرية وتفوقها التكنولوجي ونفوذها السياسي، وصورتها باعتبارها إحدى القوى الأكثر تأثيرًا في منطقة الشرق الأوسط. غير أن هذه الصورة على الرغم من أهميتها لا تعكس المشهد الكامل.
فخلف مظاهر القوة والتماسك تقف دولة تواجه تحديات داخلية عميقة وأسئلة وجودية متراكمة قد تكون أكثر خطورة من التهديدات الخارجية التي تتصدر العناوين يوميًا.
وأؤكد هنا أن المجتمع الإسرائيلي ليس كتلة واحدة متجانسة كما قد يتصور البعض، بل هو مجتمع شديد التنوع والانقسام في الوقت ذاته. فهناك فجوات واضحة بين المتدينين والعلمانيين، وبين اليهود الشرقيين والغربيين، وبين اليهود والعرب، بالإضافة إلي الخلافات المتصاعدة بين التيارات السياسية المختلفة. وقد كشفت السنوات الأخيرة حجم التوتر الكامن داخل هذا المجتمع، حيث تحولت الخلافات السياسية والقضائية إلى حالة استقطاب غير مسبوقة دفعت كثيرين إلى التحذير من تصدعات داخلية تهدد تماسك الدولة نفسها.
وليس الحديث عن الانقسامات الداخلية أمرًا جديدًا في التاريخ الإسرائيلي، بل إن نصوص التوراة نفسها تعكس هذا القلق مبكرًا. فبعد وفاة سليمان ( عليه السلام ) انقسمت المملكة الموحدة إلى مملكتين،وسأوضح ذلك من خلال النص التوراتي في سفر الملوك الأول:
"וירא כל ישראל כי לא שמע המלך אלהם וישבו העם את המלך דבר לאמר מה לנו חלק בדוד ולא נחלה בבן ישי לאהליך ישראל".
«فلما رأى جميع إسرائيل أن الملك لم يسمع لهم أجاب الشعب الملك قائلين: ما لنا نصيب في داود ولا ميراث لنا في ابن يسى. إلى خيامك يا إسرائيل» (الملوك الأول 12: 16).
وقد مثل ذلك الانقسام إحدى أخطر اللحظات في تاريخ بني إسرائيل، إذ تحولت الخلافات الداخلية إلى واقع سياسي جديد ترك آثاره لعقود طويلة.
ومن اللافت أن شبح الانقسام لا يزال حاضرًا في النقاشات الإسرائيلية المعاصرة، وإن اختلفت أسبابه وصوره التاريخية.
ولا تقف الأزمة عند حدود السياسة، بل تمتد إلى سؤال الهوية الذي لا يزال يلاحق إسرائيل منذ تأسيسها. فهل هي دولة يهودية بالمعنى الديني؟ أم دولة ديمقراطية حديثة؟ أم مزيج معقد من الأمرين؟ هذا السؤال الذي بدا نظريًا لعقود طويلة أصبح اليوم أكثر حضورًا في ظل تصاعد نفوذ التيارات الدينية والقومية، وما يرافق ذلك من جدل متزايد حول طبيعة الدولة ومستقبلها.
كما تكشف النصوص التوراتية عن إدراك مبكر لأهمية البقاء والمحافظة على الجماعة السياسية. ففي سفر التثنية يرد هذا النص:
"העדתי בכם היום את השמים ואת הארץ החיים והמות נתתי לפניך הברכה והקללה ובחרת בחיים למען תחיה אתה וזרעך".
«أشهد عليكم اليوم السماء والأرض. قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة، فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك» (التثنية 30: 19).
ورغم أن النص ورد في سياق ديني خاص، فإن فكرة الاختيار بين مسارات مختلفة للمستقبل تظل حاضرة بقوة في النقاش الإسرائيلي الراهن خاصة في ظل التحديات السياسية والديموجرافية والأمنية التي تواجه الدولة.
ومن جهة أخرى، تواجه إسرائيل تحديات ديموجرافية لا تقل أهمية عن التحديات السياسية. فالتغيرات السكانية المتسارعة تفرض واقعًا جديدًا على صناع القرار، وتثير تساؤلات متزايدة حول شكل المجتمع الإسرائيلي خلال العقود المقبلة. كما أن استمرار الصراع وعدم الوصول إلى تسوية سياسية مستقرة يضيف مزيدًا من الضغوط على البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة.
أما اقتصاديًا، فرغم ما تحققه إسرائيل من إنجازات في مجالات التكنولوجيا والابتكار، فإنها تواجه مشكلات داخلية تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة واتساع الفجوات الاجتماعية بين فئات المجتمع المختلفة. وقد أصبحت هذه القضايا مصدرًا متكررًا للاحتجاجات والنقاشات العامة، وفي هذا مؤشر على أن النجاح الاقتصادي الكلي لا ينعكس بالضرورة على جميع شرائح المجتمع بالدرجة نفسها.
واللافت أن كثيرًا من هذه الأزمات لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به التطورات العسكرية والأمنية. فالعالم ينشغل غالبًا بمتابعة الحروب والصراعات، بينما تتشكل في الداخل الإسرائيلي تحولات اجتماعية وسياسية قد تكون أكثر تأثيرًا في مستقبل الدولة من أي مواجهة عسكرية. فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تتأثر فقط بالضغوط الخارجية، بل قد تكون التحديات الداخلية هي العامل الأكثر حسمًا في تحديد مسارها.
إن إسرائيل التي يراها العالم من الخارج ليست بالضرورة هي إسرائيل التي يعيشها الإسرائيليون في الداخل. فخلف مشهد القوة العسكرية والتقدم التكنولوجي توجد أسئلة معلقة حول الهوية والانتماء ومستقبل النظام السياسي وطبيعة العلاقة بين مكونات المجتمع المختلفة. وهي أسئلة لا تزال مفتوحة على احتمالات عديدة، وقد تكون الإجابة عنها هي التي سترسم ملامح إسرائيل في العقود القادمة.
ومن اللافت أن الأدبيات النبوية في العهد القديم كثيرًا ما ربطت قوة الجماعة بسلامة أوضاعها الداخلية أكثر من ارتباطها بالقوة العسكرية وحدها. ففي خطاب النبي إشعياء ورد النص الآتي:
"כי כה אמר אדני יהוה קדוש ישראל בשובה ונחת תושעון בהשקט ובבטחה תהיה גבורתכם".
«لأنه هكذا قال السيد الرب قدوس إسرائيل: بالرجوع والسكون تخلصون، بالهدوء والطمأنينة تكون قوتكم» (إشعياء 30: 15).
وبعيدًا عن الدلالة الدينية للنص، فإن فكرته الأساسية تظل ذات مغزى سياسي؛ فاستقرار الدول لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرتها على إدارة خلافاتها الداخلية والحفاظ على تماسكها الاجتماعي والسياسي.
ولعل الحقيقة الأهم أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من سلاح أو نفوذ، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين مكوناتها الداخلية والحفاظ على استقرارها السياسي والاجتماعي.
ومن هذا المنظور، تبدو إسرائيل اليوم أمام اختبار معقد؛ اختبار لا يتعلق فقط بكيفية مواجهة خصومها، بل بكيفية التعامل مع أزماتها الذاتية. فخلف الجدران والأسوار، وخلف العناوين العريضة التي تتصدر الأخبار توجد قصة أخرى أقل ظهورًا، لكنها ربما تكون الأكثر تأثيرًا في مستقبل الدولة والمنطقة بأسرها.