كنت أقف على الضفة الأخرى من النهر، أتأمل المبنى العتيق الذي انحنى ظهره تحت وطأة السنين، فتذكرت. تذكرت كيف كان الصوت يخرج من هنا، فيملأ الدنيا ولا يكاد ينتهي حتى يبدأ من جديد. صوت أم كلثوم يتسلل كالنور من بين شقوق الروح، وشيخنا مصطفى إسماعيل يفتح في القلب نوافذ على السماء، وعبد الناصر يهتف فيمتلئ الفضاء حماسة، والسادات يبكي فتجهش الأمة معه. كل هذا كان هنا. وهنا، في الأقبية المعتمة تحت سلالم المجد، كان يحدث ما يشبه الموت. موت بطيء، صامت، لا يسمعه أحد.
لطالما تساءلت، وأنا أرى التاريخ يتسرب من بين حبيبات أكسيد الحديد المغناطيسي، كيف يمكن لأمة أن تضيع صوتها هكذا؟ كيف يمكن لذاكرة أن تصمت بهذه القسوة، بينما نحن نتصور أن ما يذاع على الشاشة خالد، وأن الشيخ الذي أبكى القلوب قبل العيون باق إلى الأبد؟
الحقيقة، التي لا يحب أحد أن يواجهها، أننا كنا نشيع ذاكرتنا يومًا بعد يوم، دون أن ندري. كنا نترك الرطوبة تقبل جبين أم كلثوم، والفئران تعبث بخطب الزعماء، والحرارة تذوب تفاصيل دراما كانت تسمر حولها ملايين الأسر. كنا، بكل بساطة، في طريقنا إلى فناء الذاكرة، ذاكرة هشة كأجسادنا، تصدأ وتشيخ وتذوي كما نذوي.
ثم، كما يحدث في الحكايات، في اللحظة التي توشك فيها الشمعة على الانطفاء، هبت ريح من العلمين. لم يكن ما جرى في ذلك الاجتماع من قبيل الإجراءات الحكومية الروتينية، ولا من زمرة القرارات التي تولد ميتة في دهاليز البيروقراطية. كان، بكل المقاييس، أقرب إلى طقس من طقوس استرداد الروح. شيء جليل يستحق أن يكتب بحروف من نور في سجل الكرامات الوطنية. لأول مرة، منذ قرن تقريبًا، يتم النظر إلى أرشيفنا الإعلامي باعتباره كنزًا استراتيجيًا، لا مجرد أكوام من علب الكرتون المهمل الذي تأكله الشيخوخة في بدروم ماسبيرو.
كم كنا قريبين من الهاوية. رأينا بأعيننا، في بلدان عربية شقيقة، كيف تحول أرشيف كامل إلى غبار، لأن أحدًا لم ينتبه إلا بعد فوات الأوان. وكدنا، بكل صدق، أن نسلك الطريق نفسه. كدنا أن نستيقظ ذات صباح، فنمد أيدينا باحثين عن صوت عبد الحليم في ليلة من ليالي الشجن، فلا نجده. نبحث عن تلاوة نادرة للشيخ محمد رفعت، فلا نعثر لها على أثر. نبحث عن صورة العبور وقد ملأت الدنيا فخرًا، فلا يبقى منها إلا ما احتفظت به ذاكرة من سمعوا ورأوا، وهم في طريقهم إلى المغيب.
ما سمعناه من أرقام يفوق الخيال ( مليون شريط، وثمانمائة ألف ساعة). رقم مهول! هذه ليست بيانات إحصائية تقال في تقرير حكومي. هذا هو روح مصر المحفوظ على شرائط البوليستر والجيلاتين. هذا هو السجل المادي على أن هذه الأمة كانت هنا، تغني في الفرح، وتتلو في الخشوع، وتخطب في الحماسة، وتنتصر بعد هزيمة، وتنهض بعد كبوة. في هذه الشرائط، نحن. تفاصيل حياتنا التي عشناها ولم ننتبه إلى أنها ستصير يومًا تاريخًا يروى.
لكن، وكما هي العادة، الحكاية ليست حكاية إنقاذ فقط، بل هي حكاية إهمال أولاً. فلنقلها كما هي، دون مواربة، هذا الأرشيف ظل لعقود متروكًا، لا يلقى من المسئولية إلا التجاهل، ولا من الاهتمام إلا الفتات. الأشرطة المغناطيسية، كما يعرف العارفون، لها عمر افتراضي، وكل سنة تمر كانت تعني أن مئات الساعات من ذاكرة مصر تتلاشى بصمت، تحت أنظارنا الغافلة. كنا نتصور أن ما نسمعه ونراه خالد بخلود الروح، بينما هو في الواقع كان يحتضر بهدوء تحت سلالم المبنى العتيق!.
ثم جاء القرار. وجاء قرار الرئيس السيسي حاسمًا، أشبه بسكين جراح يقطع حبل النسيان. مشروع استراتيجي بالتعاون مع كبرى شركات العالم المتخصصة. لم يعد الأمر نقلًا آليًا من وسيط قديم إلى آخر حديث، بل صار بعثًا وإحياء. إنها التقنيات التي تزيل تشويش السنين عن الصوت، فتعود أم كلثوم نقية كما خرجت من حنجرتها أول مرة. تقنيات تعيد للصورة ألوانها التي شربها الزمن، وتنقيها من خدوش الإهمال.
والأهم، أنها تتيح لشاب في العشرين من عمره، لم يسمع بالعمالقة إلا حكايات، أن يفتح الكمبيوتر ذات مساء، ويكتب: "أم كلثوم.. حفل النصر"، فيظهر له الحفل كاملًا، بصوت لم يشبه التشويش، وبصورة أوضح مما رآه من حضروا قاعة سينما قصر النيل في أمسية مايو من عام 1974. هذا ليس خيالًا. هذا هو ما سيحدث، إن صارت لهذا الحلم الكلمة الأخيرة.
وهناك، على ضفة النيل، ماسبيرو نفسه. الشيخ العملاق الذي ظن البعض أنه مات. لم يمت، لكنه مرض، وأصابته الشيخوخة التي جعلت استوديوهاته أقرب إلى متاحف تقنية منها إلى مراكز إنتاج.
والآن، مع هذا المشروع الذي قدمه الكاتب أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، هناك محاولة مخلصة لإعادة الروح إليه. ليس بوصفه مبنى إداريًا، بل بتحويله إلى (منصة رقمية)، إلى نافذة تطل منها مصر على العالم، ويطل منها العالم على روح مصر. إرث لن يظل حبيس الخزائن الحديد، بل سيصير متاحًا لكل إنسان يريد أن يفهم كيف كانت هذه الأمة تفكر، وتحلم، وتغني، وتصلي.
وأتوقف هنا، عند إذاعة القرآن الكريم، تلك التي تأسست عام 1964. اسمحوا لي أن أقول، وقد خبرت العمل الإعلامي عمرًا، إن هذه الإذاعة هي محراب الروح المصرية. ليست محطة دينية عادية، هي صوت الإسلام الوسطي المستنير الذي عرفته مصر وصدرته للدنيا. صوت الشيخ محمد رفعت وهو يبكي القلوب قبل العيون، والشيخ مصطفى إسماعيل وهو يرتقي بالتلاوة آفاقًا من الخشوع، والشيخ عبد الباسط وهو يزلزل الوجدان بمدوده. هؤلاء هم أعلام الأمة، ونوافذ الروح التي نطل منها على السماء. إنقاذ هذا التراث القرآني هو إنقاذ لجوهر الرسالة، رسالة مصر التي قامت على الإيمان والعلم والفن معًا.
غير أنني، وقد جاوزت الخمسين، ورأيت أحلامًا عظيمة تبدأ ثم تذوب في دهاليز الروتين، أقول كلمة بمثابة جرس إنذار، إن هذا المشروع العظيم ليس سوى خطوة أولى. إنه كمن ينقذ مخطوطات مكتبة الإسكندرية من الحريق، لكنه لا يضمن بعدها أن أحدًا سيقرأ. إعلامنا يحتاج إلى أكثر من أرشيف، ولو كان الأعظم في المنطقة. يحتاج إلى ثورة في الفكر، إلى كوادر شابة تفهم أدوات عصرها، وتتكئ على الإرث من أجل صناعة محتوى جديد، لا أن تكتفي باجترار الأمجاد. يحتاج إلى هامش من الحرية المسئولة، وإلى مهنية لا تراوغ الحقيقة، وإلى بيئة تجتذب الموهوبين لا تطردهم.
بين التوجيه والتنفيذ، نعلم جميعًا، تقع مسافة شاسعة في بلادنا، كثيرًا ما تبتلع المشاريع الكبرى. أتضرع إلى الله ألا يكون هذا المشروع من بينها، فثمن الفشل هنا ليس خسارة مال، بل هو خسارة روح، خسارة هوية وطن بأكمله.
حين يكتمل المشروع، بعد سنوات من العمل الدؤوب، ستكون مصر قد أنجزت شيئًا عظيما بلا شك . ستكون قد مدت جسرًا من الكود الرقمي بين ماضيها ومستقبلها، وستقول للعالم إن هذه الأمة التي أنتجت هذا الكم من الفن والغناء والتلاوة، تستحق أن تصون وتحفظ ذاكرتها، وتكون نبراسًا للأجيال القادمة.
وإن مصر ، كما عرفت بعد عمر طويل، هي هذا الصوت الذي يخرج من الحنجرة لكي يخترق حدود الزمن. وهذا المشروع، إن كتب له النجاح، هو ضمانة أن هذا الصوت لن ينقطع، حتى بعد أن نرحل جميعًا. من العلمين، حيث المعارك الكبرى، تنطلق هذه المعركة الجديدة. معركة من أجل إنقاذ ذاكرة وطن، وروح شعب.