في العقود الماضية، كان الحديث عن التكنولوجيا يدور غالبًا حول الهواتف الذكية، والحواسيب، والإنترنت، باعتبارها أدوات لتحسين جودة الحياة وتسريع وتيرة العمل. أما اليوم، فقد تجاوزت التكنولوجيا هذا الدور التقليدي لتصبح ركيزة أساسية في بناء قوة الدول، وأحد أهم عناصر الأمن القومي والتنمية الاقتصادية. ولم يعد السؤال المطروح هو: هل نحتاج إلى التكنولوجيا؟، بل أصبح: كيف نمتلك التكنولوجيا ونطورها قبل أن نصبح معتمدين بالكامل على الآخرين؟
لقد أثبتت الأزمات الدولية المتلاحقة أن الدول التي تمتلك المعرفة التكنولوجية هي الأكثر قدرة على الصمود في مواجهة التحديات. فخلال سنوات قليلة، شهد العالم أزمات صحية، واضطرابات اقتصادية، وصراعات إقليمية، وحروبًا إلكترونية، كشفت جميعها أن امتلاك التكنولوجيا لم يعد رفاهية، وإنما أصبح ضرورة استراتيجية تحدد مكانة الدول في النظام العالمي الجديد.
واليوم، لم تعد القوة العسكرية تُقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات، وإنما بقدرة الدولة على تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وإنتاج الرقائق الإلكترونية، وإدارة الأقمار الصناعية، وتأمين شبكاتها الرقمية ضد الهجمات السيبرانية. فالمعلومات أصبحت السلاح الأكثر تأثيرًا، ومن يمتلك القدرة على جمعها وتحليلها واستثمارها يملك أفضلية قد تفوق امتلاك أحدث الأسلحة التقليدية.
ولعل أبرز ما يميز المرحلة الحالية هو أن التكنولوجيا لم تعد حكرًا على القوى الكبرى، بل أصبحت ساحة تنافس مفتوحة بين مختلف الدول. فكل دولة تستثمر في البحث العلمي، والتعليم، والابتكار، تستطيع أن تحجز لنفسها مكانًا في الاقتصاد العالمي، حتى وإن كانت مواردها الطبيعية محدودة. ولهذا نرى أن الاقتصادات الأكثر نموًا ليست بالضرورة الأغنى بالموارد، وإنما الأكثر استثمارًا في العقول والابتكار.
وفي منطقة الشرق الأوسط، فرضت التطورات السياسية والأمنية واقعًا جديدًا يجعل التكنولوجيا أحد أهم عناصر الاستقرار. فالتوترات الإقليمية، والصراعات الممتدة، والتحديات المرتبطة بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد، جميعها أكدت أن امتلاك بنية رقمية قوية، وقدرات متقدمة في الأمن السيبراني، أصبح ضرورة لا تقل أهمية عن امتلاك القدرات العسكرية التقليدية. كما أن استخدام الطائرات المسيّرة، والأنظمة الذكية، وتقنيات الاستشعار الحديثة في النزاعات الأخيرة يعكس حجم التحول الذي يشهده مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين.
أما مصر، فإنها تمتلك مقومات تؤهلها لأن تكون لاعبًا مؤثرًا في الاقتصاد الرقمي إذا استمرت في الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية وتنمية الكفاءات البشرية. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في التحول الرقمي، وتطوير خدمات الحكومة الإلكترونية، وتحسين البنية الأساسية للاتصالات، إلى جانب الاهتمام المتزايد بريادة الأعمال والشركات الناشئة في مجالات التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي. وهذه الخطوات تمثل أساسًا مهمًا، لكنها تحتاج إلى استكمال عبر زيادة الإنفاق على البحث العلمي، وربط الجامعات بالصناعة، وتشجيع الابتكار المحلي.
ولا يمكن الحديث عن المستقبل دون التوقف عند الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح المحرك الرئيسي للثورة الصناعية الجديدة. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية تساعد الإنسان، بل أصبح شريكًا في اتخاذ القرار، وتحليل البيانات، وإدارة المصانع، وتحسين الخدمات الصحية، وتطوير التعليم، وحتى في دعم الصناعات الدفاعية. ومع هذا التطور، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في إنتاجه وتطوير نماذجه بما يتناسب مع احتياجات كل دولة ولغتها وأولوياتها.
وفي المقابل، تفرض هذه الثورة التكنولوجية مسؤوليات كبيرة. فكلما ازدادت قدرة الأنظمة الرقمية، ازدادت أهمية حماية البيانات، وضمان الخصوصية، ووضع أطر تشريعية تنظم استخدام التقنيات الحديثة. كما أن الفجوة الرقمية بين الدول قد تتسع إذا لم تستثمر الدول النامية في بناء كوادرها البشرية، وهو ما قد يؤدي إلى اتساع الفارق الاقتصادي والتكنولوجي عالميًا.
إن الاستثمار في التكنولوجيا لا يقتصر على شراء الأجهزة أو تحديث الشبكات، بل يبدأ من المدرسة والجامعة ومراكز البحث العلمي، حيث تُصنع الأفكار التي تتحول لاحقًا إلى منتجات وخدمات وصناعات متقدمة. ولذلك فإن بناء الإنسان القادر على الابتكار هو الاستثمار الأكثر استدامة، لأنه يمثل الأساس الحقيقي لأي نهضة تكنولوجية.
في النهاية، يمكن القول إن العالم يعيش مرحلة انتقالية تعيد تعريف مفهوم القوة والنفوذ. فالدول التي كانت تتنافس على الموارد الطبيعية أصبحت تتنافس على البيانات، وعلى العقول، وعلى امتلاك التقنيات الأكثر تطورًا. ومن هنا، فإن مستقبل الأمم لن تحدده فقط ثرواتها الطبيعية، بل قدرتها على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وقوة استراتيجية. وفي هذا السياق، تمتلك مصر والدول العربية فرصة حقيقية إذا أحسنت استثمار طاقاتها البشرية، وتعزيز التعاون في مجالات البحث العلمي، وبناء اقتصاد قائم على الابتكار، لأن الرهان الحقيقي في العقود القادمة لن يكون على من يملك الموارد الأكثر، بل على من يملك المعرفة الأعمق والقدرة الأكبر على توظيف التكنولوجيا في خدمة التنمية والأمن والاستقرار.
د. محمد عسكر يكتب: التكنولوجيا.. القوة التي تعيد تشكيل العالم