قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. أحمد محمد عبد الوهاب يكتب: الطلاق والأبناء... كيف نحمي أطفالنا من صراعات الكبار؟

د. أحمد محمد عبد الوهاب
د. أحمد محمد عبد الوهاب

ليس الطلاق هو الحدث الأكثر إيلامًا في حياة الطفل، وإنما الطريقة التي يعيشه بها. فكثير من الأطفال يستطيعون التكيف مع انفصال والديهم إذا وجدوا الحب والاحترام والاستقرار، بينما قد يعاني آخرون من آثار نفسية عميقة رغم استمرار الحياة الزوجية، عندما تمتلئ منازلهم بالصراخ والإهانة والعنف.

إن الأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الأمان والانتماء والثقة. وعندما تهتز هذه البيئة بسبب الخلافات المستمرة أو الانفصال، يبدأ الطفل في طرح أسئلة لا يعلنها دائمًا: هل أنا السبب؟ هل توقف أبي أو أمي عن حبي؟ ماذا سيحدث لمستقبلي؟ ومن سيبقى معي؟

ولأن الأطفال لا يملكون النضج الكافي لفهم تعقيدات العلاقات الزوجية، فإنهم غالبًا ما يفسرون الأحداث بطريقة تحملهم مسؤولية ما جرى. ولهذا يؤكد المختصون في الصحة النفسية أن أول رسالة يجب أن يسمعها الطفل بعد قرار الانفصال هي أنه ليس سببًا في الطلاق، وأن حب والديه له لن يتغير مهما اختلفت ظروف الحياة.

وتشير الدراسات إلى أن تأثير الطلاق في الأبناء لا يرتبط بحدوث الانفصال وحده، بل يرتبط بدرجة الصراع بين الوالدين قبل الطلاق وبعده. فكلما استمرت المشاحنات، وتبادل الاتهامات، ومحاولات تشويه صورة الطرف الآخر أمام الأبناء، زادت احتمالات ظهور القلق، والاكتئاب، واضطرابات السلوك، وصعوبات التكيف.

ومن أكثر الأخطاء التي يقع فيها بعض الآباء والأمهات استخدام الأبناء وسيلة للانتقام. فقد يُطلب من الطفل نقل الرسائل بين الوالدين، أو يُدفع لاختيار أحدهما، أو يُمنع من التواصل مع الطرف الآخر، أو يُحمَّل أسرارًا وخلافات تفوق عمره وقدرته على الاستيعاب. وكل ذلك يضع الطفل في صراع نفسي مؤلم بين شخصين يحبهما معًا.

كما أن الحديث السلبي عن الطرف الآخر أمام الأبناء يترك آثارًا تتجاوز العلاقة الزوجية؛ فالطفل يرى نفسه امتدادًا لوالديه، وعندما يُهان أحدهما يشعر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن جزءًا منه يتعرض للإهانة.

ومن المهم أن يدرك الوالدان أن استمرار التعاون في تربية الأبناء بعد الطلاق يمثل أحد أهم عوامل الحماية النفسية لهم. فالاحترام المتبادل، والاتفاق على القواعد التربوية الأساسية، والالتزام بمواعيد الزيارة، وعدم إشراك الأطفال في الخلافات القانونية أو المالية، كلها ممارسات تمنح الأبناء شعورًا بالاستقرار رغم تغير شكل الأسرة.

وقد يعبر الأطفال عن ضغوطهم النفسية بطرق مختلفة. فبعضهم يصبح أكثر هدوءًا وانعزالًا، وبعضهم يظهر تراجعًا دراسيًا، أو اضطرابات في النوم، أو نوبات غضب متكررة، أو تعلقًا زائدًا بأحد الوالدين. وهذه السلوكيات ليست دائمًا دليلًا على سوء التربية، بل قد تكون رسائل صامتة تعبر عن احتياج الطفل إلى الدعم والاحتواء.

ولذلك فإن الإنصات لمشاعر الأبناء، وتشجيعهم على التعبير عما يشعرون به دون خوف أو لوم، يساعدهم على تجاوز هذه المرحلة بصورة أكثر صحة. كما أن الحفاظ على الروتين اليومي، والاهتمام بالمدرسة، والأنشطة الرياضية والاجتماعية، يمنح الطفل إحساسًا بالاستقرار ويخفف من آثار التغيير.

وفي بعض الحالات، قد يحتاج الطفل أو الأسرة إلى الاستعانة بأخصائي في الصحة النفسية أو الإرشاد الأسري، خاصة إذا استمرت الأعراض النفسية أو أثرت في الدراسة أو العلاقات الاجتماعية. فطلب المساعدة في الوقت المناسب ليس علامة ضعف، بل خطوة مسؤولة لحماية مستقبل الأبناء.

إن مسؤولية الوالدين لا تنتهي بالطلاق، بل قد تصبح أكبر. فالانفصال قد ينهي العلاقة الزوجية، لكنه لا ينهي علاقة الأبوة والأمومة، ولا يعفي أيًا من الطرفين من واجبه في توفير بيئة آمنة ينمو فيها الأبناء نفسيًا واجتماعيًا.

*رسالة المقال*

قد يختلف الزوجان، وقد ينفصلان، لكن حق الأبناء في الحب والأمان والاستقرار يجب أن يبقى ثابتًا لا يتغير. فالطفل لا يحتاج إلى أبوين يعيشان تحت سقف واحد بقدر حاجته إلى أبوين يضعان مصلحته فوق خلافاتهما، ويؤمنان بأن التربية مسؤولية مشتركة تستمر مهما تغيرت الظروف.