منذ أن تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي مسئولية حكم البلاد ، وأرسى معالم سياسة خارجية تتسم بـ "الاتزان الاستراتيجي"؛ سياسة صاغت رؤيتها من معادلة دقيقة تجمع بين حماية المصالح الوطنية العليا والانفتاح على شركاء دوليين متعددين.
سياسة أتاحت لمصر استيعاب تعقيدات النظامين الإقليمي والدولي، فى إطار إعادة تعريف مفهوم "المصلحة الوطنية"، وعلى مدار ثلاثة عشر عاما نجحت تلك السياسة فى الصمود أمام إغراءات الاستقطاب ورفضت منطق المحاور الصفرية، متمسكة بأسس راسخة تتلخص في احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، إلى جانب دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وتفضيل الحلول الدبلوماسية للنزاعات، بالإضافة إلى الالتزام الصارم بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
أقول هذا وأنا أتابع أبعاد الحادث الأخير في ميناء دمياط، والحرائق التي نشبت بسفينتين هناك ، والتي كشف بيان مجلس الوزراء رسميا عن كونه ناتجا عن هجوم بطائرة مسيرة ، وأرى أن هذه المقدمة حول مبادىء السياسة الخارجية المصرية فى عهد الرئيس السيسى كانت واجبة قبل الحديث عن الحادث ، لأن مصر دولة تتعامل بشرف ونزاهة فى زمن عز فيه الشرف ، ورغم سعيها الدؤوب لإنهاء الصراعات العسكرية ، وترسيخ الاستقرار كركيزة أساسية للتنمية بالمنطقة ، إلا أنها فى ذات الوقت دولة قادرة،وتمتلك كل الإمكانيات التى تمكنها من الدفاع عن نفسها وعن حدودها، وعن قراراتها ، ولا أحد يستطيع الاقتراب من أمنها القومى أو توريطها فى شئ ضد سياستها أو مصلحتها الوطنية.
وأشيد بالتعامل الرشيد للدولة المصرية مع الحادث، فالكلمة الصادقة والمعلومة الدقيقة تمثلان أحد أهم أسلحة حماية الأمن القومي .
فدون أي تسرع أعلنت وزارة البترول السيطرة على حريق نشب بسفينتى تغييز وتخزين فى ميناء دمياط دون وقوع إصابات ، وهى معلومة أولية عن الحادث، ثم عندما تأكدت الحكومة من أن الحادث مدبر أعلنت فى بيانها أن الحادث ناتج عن مسيرة وكشفت أن الجهات المعنية تستكمل التحقيقات للوقوف على مختلف ملابسات الحادث، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على مصالح مصر وأمنها القومي، وهو ما يعنى أن الدولة ليس لديها ما تخفيه عن مواطنيها وتعاملت بمنتهى النزاهة والشفافية مع الحدث ، كما أن الإجراءات السريعة والفورية تعكس عقل الدولة ،والشفافية في الإفصاح والتحقيق دليل على قوة المؤسسة الوطنية وقدرتها على إدارة الأزمات، فالوقائع الأمنية تتطلب التحقق الكامل من المعلومات قبل إعلانها للرأي العام، وذلك حرصا على سلامة الإجراءات وعدم التأثير على أعمال الجهات المختصة.
وهذا البيان رغم أن كلماته قد يرى البعض أنها بروتوكولية إلا أنها تحمل فى طياتها الكثير من المعانى ، ففى الوقت الذى تعلن فيه الدولة عدم تهاونها فى حقوقها وتحتفظ بحقها فى اتخاذ الاجراءات اللازمة لصون أمنها القومى ، تؤكد لكارهى الوطن ومروجى الشائعات أنها ماضية فى ثوابتها الاستراتيجية بالوقوف أولا على جميع الملابسات ثم اتخاذ القرار المناسب .
وفى نفس الوقت ألقى البيان مسئولية كبيرة على عاتق جميع المواطنين خلال هذه الفترة ؛ بضرورة الاصطفاف الوطنى خلف القيادة السياسية فى ظل الظروف الأقليمية الراهنة ، وكلنا يعلم كم هى قيادة رشيدة قادت سفينة الوطن وسط أمواج متلاطمة وأزمات متلاحقة ووصلت بها إلى بر الأمان.
وأطالب بعدم المشاركة فى نشر الشائعات التى يروج لها أهل الشر ، والالتزام بالبيانات الرسمية التى تخرج عن الدولة فليس هناك ما يمكن إخفاؤه ، وحتى لا نصبح دون أن ندرى أدوات تساعد المتآمرين والكارهين على تحقيق مخططاتهم فى سعيهم لهدم أمن واستقرار الوطن الذى وصل إلى هذه المرحلة الآمنة بفضل تضحيات وبطولات رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
ولا يخفى على أحد أن المحاولات التى تستهدف جر مصر إلى دوائر الصراع أو المساس بأمنها القومي واستقرارها، لا تتوقف ،ولكنها دوما تتحطم تحت صلابة الشعب المصري الواعى القادر على إفشال كل المخططات التي تستهدف الوطن بمنتهى الثبات.
ومصر وإذ تحذر بشكل مستمر من خطورة توسيع دائرة الصراع سعيا لتجنيب المنطقة مخاطر الانزلاق نحو سيناريوهات يصعب تداركها، فلا سبيل أمام الشعب العظيم سوى ترسيخ تماسك الجبهة الداخلية، والتصدي الصارم للشائعات، والوقوف صفا واحدا خلف القيادة السياسية في إدارة الأزمات بحكمة وموضوعية.
فالهدف الأول لأعداء الوطن في الداخل والخارج هو إرباك الدولة وتوريطها، مما يستوجب الوعي الكامل والحذر من أصوات المزايدة الشعارية التي تعد جزءا من تلك المخططات؛ فلا أحد يستطيع المزايدة على عقيدة جيش مصر، أو بسالة شرطتها، أو حكمة القيادة التي حمت الوطن وصانت مقدراته.
إن عبور هذه التحديات الجسام وحماية مقدرات هذا الوطن في ظل إقليم يموج بالاضطرابات، لا يتطلب فقط جاهزية مؤسساتنا الأمنية والعسكرية، بل يتطلب بالأساس الاصطفاف الوطني التام، وتماسك الجبهة الداخلية، والالتفاف خلف القيادة السياسية، لنثبت للعالم أجمع أن مصر عصية على التوريط، وقادرة في الوقت ذاته على حماية أمنها وسيادتها بأقصى درجات الحكمة والقوة.