الرؤية بالصوت في عالم «الكيت كات» أغمض عينيك لحظة؛ فالدخول إلى الكيت كات يبدأ من الأذن. ومن قلب العتمة، يندفع صوت موتوسيكل يقوده الشيخ حسني، وينطلق به في شوارع الحارة، فنشعر أن الطريق محفور في ذاكرته. ومع ارتفاع صوت المحرك، تتفتح الأبواب، وتتراجع الأجساد، وتنطلق الصرخات، بينما يواصل الرجل الكفيف رحلته بضحكة واسعة. ومن هذه اللحظة المعلقة بين الخطر والحرية، يدفعنا داود عبد السيد إلى التساؤل عمن يرى الطريق حقًا.
أما الحكاية، فتصل إلى الشاشة من رواية «مالك الحزين» لإبراهيم أصلان، التي أعاد داود عبد السيد صياغة عالمها في فيلمه الصادر عام 1991. وفي حي الكيت كات، يعيش الشيخ حسني، بأداء محمود عبد العزيز، مع أمه وابنه يوسف، حاملًا عوده وأحلامه ورغبته الدائمة في اقتحام الحياة. ومن حوله، تتحرك شخصيات تبحث عن فرصة للحب أو السفر أو المال، بينما تضيق الحارة بأمنيات سكانها وتتسع لأسرارهم.
ومنذ المشاهد الأولى، يمنح الفيلم الصوت دورًا يتجاوز مرافقة الصورة؛ إذ تصبح الأذن باب الشيخ حسني إلى المكان. فمن وقع الخطوات ونبرات الأصوات وحركة الأبواب، يرسم الرجل خريطته الخاصة للحارة، ويتعرف إلى القادمين قبل وصولهم إليه. وحين تسبق الأصوات أصحابها، يشعر المشاهد أنه دخل العالم بالطريقة نفسها التي يدركه بها الشيخ حسني.
وعبر هذا الاختيار، تتحول الحارة إلى فضاء يُسمع بقدر ما يُرى. فمن نداءات الجيران، وضجيج المقاهي، وأصوات المشاجرات، ورنين الأكواب، ونغمات العود، يتكون عالم كامل يمتد خارج حدود الكادر. وفي كل صوت قادم من زقاق أو نافذة، تضاف حكاية إلى المكان، فيصبح ما يقع خلف الصورة جزءًا حيًا من التجربة.
ومن دلالة العنوان، يحتل المكان صدارة الحكاية ويجمع مصائر الشخصيات تحت اسمه. فالكيت كات هنا ذاكرة مشتركة، وأحلام تبحث عن منفذ بين الأزقة. ومع كل انتقال من منزل إلى مقهى أو سرادق، تتسع خريطة الحارة أمامنا؛ إذ يكشف كل مكان علاقة جديدة بين سكانها، وتربط الأصوات والوجوه بين حكاياتهم المتقاطعة.
وفي تشكيل هذا الفضاء، يصوغ مدير التصوير محسن أحمد حركة بصرية تنساب بين الأزقة والوجوه، بينما يمنح تصميم أنسي أبو سيف الحارة كثافتها وملمسها. فمن الممرات الضيقة والأسطح المتقاربة والبيوت المتآكلة، تنشأ شبكة تحاصر السكان وتجمعهم في الوقت نفسه. وحين تتحرك الكاميرا خلف الشيخ حسني أو بجواره، تتحول خطواته الواثقة إلى دليل يقود المشاهد داخل متاهة يعرفها البطل بحواسه وذاكرته.
أما محمود عبد العزيز، فيمنح الشيخ حسني جسدًا يختزن التناقض كله. ففي حركة الرأس المرفوع، والابتسامة الماكرة، واليد الباحثة عن كتف أو جدار، تتشكل شخصية ترفض موقع الضحية وتختار أن تصنع قواعدها. ومع كل ضحكة أو جملة ساخرة، يستعيد الشيخ حسني مساحة من عالم يراقبه بعين الشفقة، ويحول حضوره إلى طاقة تربك المحيطين به.
ومن داخل هذا الارتباك، يكتسب الشيخ حسني قدرة خاصة على كشف الآخرين. فأهل الحارة، وقد اعتادوا حضوره بوصفه رجلًا كفيفًا، يتحدثون أمامه بحرية، فتصل إليه عبر النبرات والهمسات تفاصيل تغيب عن العيون. وحين يمسك الميكروفون في سرادق العزاء، تتدفق الحكايات من فمه، وينكشف أهل الحارة واحدًا بعد آخر. وعبر هذا المشهد، تتحول الكلمة إلى ضوء يسلطه الرجل الكفيف على وجوه المبصرين.
ومع العود والغناء وجلسات الأصدقاء، يصنع الشيخ حسني فضاء موازيًا يخفف قسوة الواقع. ففي الخيال، يستطيع أن يقود ويحب ويسافر ويعيد ترتيب العالم وفق إيقاعه. ومن خلال الموسيقى التي وضعها راجح داوود، تتجاور السخرية والشجن، وتصبح النغمة امتدادًا لصوت البطل ورغبته في تجاوز الجدران المحيطة به.
وعند الموتوسيكل، تبلغ هذه الرغبة ذروتها. فالمركبة التي تحتاج إلى عينين يقظتين تتحول في يديه إلى إعلان عن حقه في الحركة والمغامرة. ومع دوران العجلتين في الحارة، ينكسر النظام الذي وضع لكل جسد حدوده، ويصبح الخطر نفسه طعمًا للحرية. ومن فوق المقعد، يرى الشيخ حسني العالم بالطريقة التي يريدها.
وفي الجهة الأخرى، يقف يوسف، الابن الذي يحلم بالسفر والابتعاد عن الحارة. فمن خلاله، تظهر صورة جيل يرى الخلاص وراء البحر، ويحمل البيت فوق كتفيه كعبء يؤخر الرحيل. ومع اتساع المسافة بين الأب والابن، يجمعهما شعور واحد بالحصار؛ الشيخ حسني يواجه حدود الجسد، ويوسف يواجه حدود المكان والفرصة.
ومن خلال العلاقة بينهما، ينتقل السؤال من حدود الجسد إلى الحارة كلها. ففي عالم الكيت كات، يمتلك كل شخص جزءًا من الحقيقة، ثم يقوده الخوف أو الاحتياج إلى طريقه الخاص. وعندما يؤكد الشيخ حسني معرفته بالطريق، تكتسب عبارته مفارقتها القاسية؛ فالحارة التي تملك عيونًا مفتوحة تواصل التعثر في الفقر والوهم والرغبات المؤجلة.
وعلى مستوى الإيقاع، يمزج داود عبد السيد بين الكوميديا والمرارة داخل اللحظة نفسها. ففي ضحكة الشيخ حسني، تسكن خسارة قديمة، وفي حيله اليومية، تظهر مقاومة رجل يتمسك بحقه في المتعة. ومن هذا المزج، يقترب الفيلم من شخصياته بحنان، ويمنح التفاصيل الشعبية طاقة إنسانية تجعل الحارة مألوفة لكل مشاهد.
ومع مرور أكثر من ثلاثة عقود، يحتفظ «الكيت كات» بقدرته على طرح سؤال الرؤية من جديد. فالرؤية هنا معرفة بالناس، وإصغاء إلى أصواتهم، وقدرة على تخيل طريق يتجاوز حدود الواقع. ومن خلال الشيخ حسني، يمنحنا داود عبد السيد عينًا تولد من الأذن والذاكرة والخيال.
وعندما يخفت صوت الموتوسيكل في نهاية الرحلة، تبقى ضحكة الشيخ حسني معلقة في الحارة. ففي تلك الضحكة، تتجمع جرأته وسخريته وحلمه المستحيل، ويصبح الرجل الكفيف أكثر سكان الكيت كات قدرة على رؤية ما تخفيه الجدران. ومن هنا تكتمل مفارقة الفيلم؛ فالحارة ازدحمت بالعيون، بينما عرف الشيخ حسني وحده كيف يصنع طريقه.