على مدار السنوات الماضية، لم تكن الدولة المصرية منشغلة فقط بتنفيذ مشروعات قومية ضخمة، وإنما كانت تعمل بالتوازي على بناء مؤسسات قادرة على إدارة هذه المشروعات وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
فالدول لا تُبنى بالمشروعات وحدها، وإنما بالمؤسسات التي تضمن استمرارية نجاحها، وهو ما عكسته بوضوح إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة بالقانون الجديد، في خطوة تبدو أكبر بكثير من مجرد تعديل تشريعي أو إعادة هيكلة إدارية.
فالقانون الجديد جاء ليؤكد أن الدولة المصرية انتقلت من مرحلة البناء والتأسيس إلى مرحلة الإدارة وتعظيم العائد الاقتصادي. فبعد سنوات شهدت إنشاء بنية تحتية غير مسبوقة، واستصلاح ملايين الأفدنة، وإقامة مدن جديدة وشبكات طرق وموانئ ومناطق لوجستية، أصبح من الضروري وجود كيان يمتلك الصلاحيات والمرونة الكافية لإدارة هذه المنظومة الضخمة وتحقيق أعلى عائد منها.
ومن هنا، جاء القانون ليمنح جهاز مستقبل مصر شخصية اعتبارية مستقلة، واستقلالًا فنيًا وماليًا وإداريًا، مع تبعيته المباشرة لرئيس الجمهورية، بما يعكس حجم المسؤولية والدور المنتظر منه خلال السنوات المقبلة، ويؤكد أن الدولة تنظر إليه باعتباره أحد أهم الأذرع التنفيذية لتحقيق مستهدفات التنمية المستدامة.
لكن القراءة المتأنية للقانون تكشف أن فلسفته تتجاوز بكثير فكرة إدارة المشروعات الزراعية أو استصلاح الأراضي، فالجهاز أصبح معنيًا بوضع وتنفيذ الاستراتيجية القومية لمناطق التنمية المستدامة، وتنسيق جهود الجهات المختلفة، ووضع سياسات التنمية، وإعداد قواعد البيانات، وجذب الاستثمارات، وإقامة شراكات مع القطاع الخاص، إلى جانب اقتراح التشريعات والسياسات التي تضمن تحقيق أفضل استغلال لموارد الدولة.
وهنا تتجلى الرؤية الجديدة للدولة؛ فالتنمية لم تعد تعني إنشاء مشروع أو مدينة أو منطقة صناعية، وإنما أصبحت تعني بناء منظومة اقتصادية متكاملة، تبدأ بالتخطيط، مرورًا بالإنتاج والتصنيع والخدمات اللوجستية، وتنتهي بالتصدير وتعظيم القيمة المضافة. إنها فلسفة تقوم على أن كل جنيه يتم إنفاقه يجب أن يتحول إلى إنتاج، وكل أصل تمتلكه الدولة يجب أن يتحول إلى مصدر للنمو والعائد.
كما يعكس القانون إدراكًا واضحًا بأن نجاح التنمية لا يعتمد على الحكومة وحدها، لذلك منح مساحة واسعة للشراكة مع القطاع الخاص، سواء في التمويل أو التنفيذ أو التشغيل أو الإدارة، وهو ما يتماشى مع توجهات الدولة نحو تمكين القطاع الخاص ليكون شريكًا رئيسيًا في عملية التنمية، وليس مجرد مستثمر أو منفذ للمشروعات.
وفي تقديري، فإن أحد أهم ما يميز القانون الجديد هو أنه يؤسس لنموذج مختلف في الإدارة، يعتمد على سرعة اتخاذ القرار، وتوحيد الرؤية، وتقليل تداخل الاختصاصات، وهو ما تحتاج إليه المشروعات القومية الكبرى، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، والتغيرات المتسارعة في سلاسل الإمداد، واشتداد المنافسة على جذب الاستثمارات.
كما أن الجهاز سيكون له دور محوري في تحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز الأمن الاقتصادي، وزيادة الصادرات، وتوطين الصناعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي، وإنشاء مجتمعات إنتاجية متكاملة قادرة على توفير فرص العمل، وتحقيق التنمية في مختلف أنحاء الجمهورية، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية مصر 2030.
ولا يمكن قراءة إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر بمعزل عن الرؤية الشاملة للجمهورية الجديدة، التي تقوم على بناء مؤسسات قوية تمتلك القدرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة، وتعمل وفق معايير الحوكمة والكفاءة والاستدامة، بما يضمن استمرار التنمية وتحقيق أفضل عائد للأجيال الحالية والقادمة.
لقد أثبتت التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة أن الإرادة السياسية قادرة على تنفيذ مشروعات عملاقة في زمن قياسي، أما المرحلة المقبلة، فهي مرحلة الإدارة الاحترافية لهذه الإنجازات، وتعظيم عائدها الاقتصادي والاجتماعي، وتحويلها إلى قوة إنتاجية مستدامة.
وفي النهاية، قد تختلف الآراء حول الأدوات، لكن التاريخ يؤكد أن الدول لا تُقاس بما تمتلكه من موارد فحسب، بل بما تمتلكه من مؤسسات قادرة على إدارة هذه الموارد وتحويلها إلى قوة حقيقية. ومن هنا، فإن إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر بالقانون الجديد ليست مجرد خطوة تشريعية، بل تعبير عن رؤية دولة تؤمن بأن التنمية المستدامة تبدأ بمؤسسات قوية، وإدارة كفؤة، وصلاحيات واضحة. وإذا نجح الجهاز في ترجمة هذه الرؤية إلى واقع، فإنه لن يكون مجرد ذراع تنفيذية للدولة، بل أحد أهم محركات الاقتصاد المصري، وأحد الركائز التي ستُبنى عليها ملامح مستقبل الجمهورية الجديدة.