حين رن الهاتف في بيوت النابغين منذ بضعة أيام، لم يزف صوت المتصل مجرد فرحة بالنجاح، بل فيض من هيبة العلم وتواضع العلماء؛ هكذا تصدر فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، التريند في قلوب المصريين بمشهد أبوي دافئ لم يكن غريباً على من تشرب أصول التربية الأزهرية العريقة، وتأصلت في وجدانه ثقافة الإمام المستنير الذي يدرك تماماً أن قيمة منصبه تكمن في قربه الحقيقي من نبض الناس.
وتجلى كل ما سبق، عزيزي القارئ، أثناء إجراء فضيلته اتصالات هاتفية شخصية بنخبة من الأوائل في الثانوية الأزهرية لتهنئتهم قبل إعلان النتيجة رسمياً. وعندما ردت والدة إحدى الفتيات ببراءة وعفوية على مكالمته سائلة: "حضرتك مين؟"، أجابها بكل هدوء وسكينة: "أنا أحمد الطيب، ولو هتسأليني عن شغلتي.. شيخ الأزهر"، ليتوج هذا الموقف الإنساني الراقي وجبر الخواطر العظيم بعد أن أخبرته والدتها بشكل مفاجئ عن إجراء ابنتها الطالبة لثلاث عمليات قلب مفتوح، حيث تعاني منذ طفولتها من فقد بصرها واعتلال قلبها، ورغم ذلك كافأها الله وكلل مجهودها بالحصول على المركز الأول بالقسم الأدبي نظام الدمج، فعرض عليها الإمام تكفل الأزهر برعايتها الطبية الكاملة؛ ليصبح المشهد بأسره ترنداً حقيقياً يستحق التتويج والخلود.
ولا يقل عن هذا النقاء الإنساني شموخاً ذلك المشهد الواقعي لأب كفيف أعيته مشاق الحياة، فلم يمد يده ولم يركن للقعود بعد أن كان سائقاً وفقد بصره بالتدريج، بل خرج يجاهد بعرقه في مواقع المعمار، متردداً بين طوابق العمارات والأبراج نزولاً وصعوداً حاملاً أثقال البناء فوق عاتقه، ليؤمن لقمة العيش بشرف، ومعه ابنه الصغير الذي تحول إلى عينيه وعكازه الحقيقي، متكئين على خطوات تعففهما في دروب الشقاء دون كلل للإنفاق من حلال تجاه زوجة وأربعة أبناء، لتطوف قصته آفاق الوجدان كنموذج فذ للرجولة والوفاء.
وعلى النقيض التام من قوة تأثير النماذج السابقة وسموها، نقف أمام الانحدار المفاجئ لعمرو دياب الذي طالما تربع على قمة المجد الفني لسنوات طويلة؛ ليأتي ألبومه الأخير معبراً عن خلل عميق أصاب بوصلة اختياراته للكلمات والألحان. لقد غاب عنه ذلك الحرص المعهود في الاستعانة بكبار المؤلفين والملحنين المساهمين في صنع أسطورته، وضاع منه التنويع المحسوب والمرغوب المعزز لتجدد مشواره دائماً، ليهبط بالمضمون إلى القاع في أغنية أو اثنتين تقريباً لم تخلوَا من الابتذال والتسطيح، متجاوزاً حدود الاختلاف الفني المشروع إلى استخدام مترادفات هزيلة لا تعبر عن فكر ولا تحمل عمقاً، وليصبح العمل ترنداً سالباً يثير اللغط المرفوض، ويهوي بصاحبه أسفل هضبة "الهضبة" وهو لقبه عند جمهوره في سقطة كبرى غير مسبوقة.
وتشتعل المقارنة وضوحاً حين نتأمل "المغناوتية" وصناع الطرب الأصيل في الزمن الجميل؛ أمثال فنان الشعب سيد درويش، وزكريا أحمد والقصبجي، وغيرهم، ممن اقتصرت أدوات "التريند" عندهم على الجلوس في المقاهي الشعبية، ومخالطة فلاحي الريف عبر ربوع مصر، والتجوال في شوارع الإسكندرية، وبين الصنايعية في ورش بولاق ومصر القديمة لشحذ الهمم، مستمدين الألحان والكلمات من عرق الكادحين ونبض الشارع الحقيقي بلا مقابل ومن أجل الفن الصادق، دون ركض خلف أرقام وهمية أو ترندات زائفة.
واليوم، رغم وفرة المسارح العملاقة المجهزة بأحدث التقنيات في ليالي الصيف والمدن الساحلية، وزحام منصات التواصل وشاشات الهواتف المحمولة التي تتيح الانتشار السريع لكل ما هو هادف أو هابط، يبقى الجمهور هو الحاكم بأمره وصاحب الكلمة العليا في تحديد من يرتفع إلى قمة هضبة التريند ومن يهوي إلى قاع النسيان، فالأرقام والمكاسب الزائلة مهما تعاظم زيفها تظل عاجزة أمام عدالة الذاكرة الجماعية للجماهير الواعية.