قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

ميس رضا تكتب : من يكتب سرديتنا العربية وكيف نخاطب العالم دون أن نفقد روايتنا؟

ميس رضا
ميس رضا

في عالم أصبحت فيه الخوارزميات تتحكم في وصول الحقيقة للآخر لم يعد السؤال اليوم هل لدينا رواية عربية؟ بل السؤال الأكثر إلحاحاً هل نجيد تقديم روايتنا إلى العالم وبلغة يفهمونها وبسردية إعلامية قوية مؤثرة في الرأي العام العالمي وصناع القرار؟ والسؤال كذلك من يكتب الرواية؟ ومن يحدد الصورة الذهنية لدولنا العربية ؟ فالأمم التي لا تصوغ سرديتها بنفسها بشكل مؤثر ستجد الآخرين يكتبونها نيابة عنها.. ومن هذا المنطلق أرى أن بناء سردية إعلامية عربية معاصرة تعتمد على التحديات الراهنة وتواكب لغة العصر و تستند إلى الهوية العربية المشتركة التي تجمعها قواسم مشتركة، لم يعد خياراً ثقافياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية لتعزيز الأمن الثقافي والإعلامي العربي، وحماية الوعي، وترسيخ الحضور العربي في المشهد الإعلامي العالمي.

ورغم أن منطقتنا العربية تزخر بكوادر إعلامية وخبراء إعلاميين وإمكانيات كبيرة إضافة إلى رصيدها التاريخي والشواهد والحقائق لكنها في كثير من المحطات المفصلية كانت ولازالت بحاجة ملحة إلى أن تحوّل هذه الحقائق إلى سردية إعلامية عالمية قادرة على التأثير في الرأي العام وصنّاع القرار.

وفي عالم تسيطر عليه أدوات الذكاء الاصطناعي بلا اخلاقيات، لم تعد الحقيقة وحدها كافية، فالحقيقة التي لا تصل، أو تصل بلغة لا يفهمها الآخر، تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على التأثير، وهنا تكمن المعضلة، لقد اعتدنا في كثير من الأحيان، أن نخاطب العالم بلغتنا نحن بمفاهيمنا، ومصطلحاتنا وافتراضاتنا الثقافية،  بينما يخاطبنا الآخر بعد أن يدرس جمهورنا ويفهم كيف يفكر، وما الذي يؤثر فيه، وأي لغة تحرك وجدانه وعقله، وهنا نقطة فارقة جدا وهى أن الفرق بين الرواية والتأثير هو القدرة على ترجمة الفكرة، لا ترجمة الكلمات فالترجمة اللغوية تنقل النص، أما الترجمة الثقافية فتنقل المعنى والحضور والتأثير باعتبار أن الترجمة الثقافية أداة من أدوات القوى الناعمة. 

ومن هنا، فإن بناء سردية عربية معاصرة لا يعني تغيير الحقائق، ولا التخلي عن الثوابت، ولا إعادة صياغة الهوية لإرضاء الآخرين؛ بل يعني امتلاك القدرة على تقديم روايتنا بلغة إنسانية يفهمها العالم، وبأدوات إعلامية تناسب العصر، وبالنظر إلى الدول الأخرى فإن تجارب دول عديدة أوضحت أن التأثير العالمي لا يتحقق فقط بامتلاك وسائل إعلام قوية، بل بامتلاك رواية متماسكة تعرف ماذا تريد أن تقول، ولمن تقول، وكيف تقولها، وفي أي توقيت، وفي هذا السياق، تبرز القضية الفلسطينية بوصفها نموذجًا واضحًا فالتحدي لا يقتصر على توثيق الانتهاكات أو عرض الوقائع، بل يمتد إلى تقديم الرواية الفلسطينية والعربية في قالب إنساني وقانوني وأخلاقي يصل إلى الجمهور الدولي بلغته ومنظومته القيمية، دون أن يتخلى عن جوهر الحقيقة.

وينطبق الأمر ذاته على قضايا حيوية تتعلق بالشباب والثقافة العربية والتنمية المستدامة فلدينا آلاف القصص التي تستحق أن تُروى، لكن العالم لا يسمعها دائمًا، لأننا كثيرًا ما نخاطب أنفسنا أكثر مما نخاطب الآخرين، وهنا أدعو للانتقال من مرحلة الدفاع عن الرواية العربية إلى مرحلة بناء استراتيجية عربية للتأثير الإعلامي الدولي تتلخص أبعادها في إنتاج محتوى عربي متعدد اللغات، لا يترجم الكلمات فقط، بل يترجم الثقافة والمعنى، والاستثمار في فهم الجمهور الدولي، ودراسة أنماط استهلاكه للمحتوى، وآليات تشكل الرأي العام في البيئات الرقمية، وكذلك إعداد جيل جديد من الإعلاميين وصناع المحتوى يجمع بين المهنية الإعلامية، والمعرفة الجيوسياسية، والوعي الثقافي، والقدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي دون التفريط في المصداقية.

إن المعركة الإعلامية في القرن الحادي والعشرين ليست معركة من يملك المنصة الأكبر، بل معركة من يستطيع أن يبني الثقة، ويصوغ المعنى، ويؤثر في الإدراك.

ولذلك، فإن السردية العربية لن تصبح أكثر حضورًا بمجرد أن نكررها، وإنما عندما نصوغها بلغة يفهمها العالم، ونقدمها بقيم إنسانية مشتركة، ونُثبتها بالحقائق، ونرويها بأدوات العصر فليس المطلوب أن نتحدث بصوت أعلى بل أن نتحدث بطريقة تجعل العالم يصغي لنا.