قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد نجم يكتب: ضرورة الإعمار النفسي والسلوكي لأطفال غزة

أحمد نجم
أحمد نجم

أصوات كثيرة من رؤساء دول تتسابق للحديث عن إعادة إعمار غزة، من يشارك ومن سيبني ومتى وبأي تكلفة؟  ولكن ألم يخطر ببال هؤلاء أن هناك ماهو أهم من إعادة إعمار المباني، فقبل أن نضع الطوبة الأولى في المباني، هناك سؤال أهم : من سيعيد بناء أطفال غزة نفسيا وسلوكيا؟

الطفل الذي نام واستيقظ  على أصوات القصف وفقدان أسرته وبيته ومدرسته وأصدقائه وفقد شعوره بالأمان، الطفل الذي كبر قبل أوانه وعاصر ما لا يتحمله الكبار، بعد أن شاهد تقطع أشلاء أسرته، أو فقد بصره أو يده أو إحدى قدميه. 

إعادة الإعمار النفسي والسلوكي ليست رفاهية بل هي الأساس، كي نحدد إذا كان الجيل القادم سيبني وطنه أم يعيش ينتظر لحظات الثأر. 

إن أخطر ما تركته الحرب ليس في الشوارع المدمرة، بل في الذاكرة، فقبل أن نضع حجراً فوق حجر، علينا أن نضع يدنا على جراح أطفال غزة، فالوطن لا يُبنى بجدران جديدة فقط، بل بجيل قادر أن يحلم ويبني ويؤمن بالمستقبل.

قد يسكت صوت القصف، وقد تعود الكهرباء، وقد تُرفع الأنقاض، لكن هناك حرباً أخرى لا تزال دائرة كل ليلة داخل غرف نوم أطفال غزة، إنها حرب الكوابيس، والخوف من الأصوات، ويدور السؤال في ذهنه ، هل سأفقد أسرتي كما فقدنا بيتنا ؟  

إعادة الإعمار الحقيقي ، لا تبدأ بأوناش  ترفع الحطام ، بل بعلاج نفسي يمسح دمعة ، وبمعلمة تعيد الثقة ، وبملعب يعود فيه تجمع الأطفال للرفاهية وأماكن للتسلية والترفيه والضحك من القلب، أطفال اليوم هم حجر الأساس لغزة الغد، فهل نبنيهم  أم نترك داخلهم أحلام مكسورة وانتظار لوقت الانتقام والثأر؟

تشير التقديرات إلى أن أكثر من   90 % من أطفال قطاع غزة يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة. هذا الرقم ليس إحصائية باردة ، بل هو إنذار إذا ما تم  تجاهل الصحة النفسية في خطط الإعمار .

نحن سنبني مدارس لطلاب لا يستطيعون التركيز، ومستشفيات لمرضى لا دواء لأرواحهم، التكلفة الحقيقية للإعمار ليست فقط في الدولارات التي سننفقها على الإسمنت والطوب، بل في السنوات والأجيال التي سنخسرها إذا لم نبدأ الأن ببرامج الدعم النفسي والتأهيل السليم .

أطفال في مختلف الأعمار شاهدوا تقطع أشلاء آبائهم و إخوانهم و جيرانهم يعيشون لحظات رعب إطلاق الصواريخ عليهم وهم بين جدران كانت بالفعل أمنه. 

تلوح أمامي دائما صورهم، والمأساة التي يعايشونها، والأحداث الكارثية التي يواجهونها، كذلك قسوة الدمار، كثيرا ما أحاول أن أكتب عنهم، فلا تقوى يدي على الكتابة ولا عقلي عن التركيز، ولا عيني على استرجاع تلك الصور، وتبلل أوراقي دموع لا أستطيع إيقافها. 

تلاحقني أصوات صراخ الأطفال الذين فقدوا آبائهم أمام أعينهم، صراخ طفلة تنادي علي شقيقها الأصغر تحت الأنقاض ، بينما طفل أخر يحمل رأس شقيقته يحتضنها في براءة بعد أن تحول جسدها إلي أشلاء ، وأخر يجد أمامه أقدام شقيقه فقط ، بينما ٱخر تحول جسده إلي أشلاء لملمها الأب المكلوم في قوة إيمان وشجاعة وصبر أسكنهم الله قلبه .

كنت أقول لنفسي ، ماذا سيحدث عندما يكبر هذا الجيل من الأطفال الذي عايش وعاني وشاهد الدمار الكامل لكل أمان كان يعيشه ؟ جيل من الأطفال شاهد إذلال جنود الإحتلال لأبائهم، حين أجبروا الرجال و النساء علي خلع ملابسهم عرايا و الجلوس وسط الشارع ثم قاموا بإطلاق النيران عليهم . صور لن تزول من عقولهم، وسيحاولون الإنتقام حين تتاح لهم فرصة العمر و الإمكانيات .

أطفال وشباب تم حرمانهم من التعليم لأكثر من عامين متتاليين ، وتدمير جميع المؤسسات التربوية التعليمية عمدا بواسطة شياطين الإحتلال بغرض حرمان الطلاب من التعليم ، و خلق جيل تائه وجاهل علميا ، و القضاء علي ٱي نبوغ علمي .

من المؤكد أن إعتياد الأطفال علي سماع ومشاهدة أصوات الدمار و أعمال القتل يؤدي لإعتيادهم علي التعايش مع العنف ، فيجعلهم  يميلون دائما للسلوكيات العدوانية ، في كثير من تعاملاتهم مع الأخرين ، وقد تؤدي تلك المشاهد العنيفة للدمار ، لزيادة العنف لدى الأطفال ، سواء في المدارس التي لا يعلمون متي ينتظمون فيها أو داخل البيوت أو من خلال تعاملاتهم اليومية مع الآخرين

أطفال غزة قنبلة موقوته ، ستنفجر يوما ما للثأر مما يرونه و يعايشوه . ولا يمكن أن يكون لديهم عندما يكبرون سلام دائم إلا بعد الثأر . فلا يمكن أن تمحي من ذاكرتهم تلك الحالة التي عايشوها . و ستترك في نفوسهم تأثيرا بالغا في مكونات حياتهم وتعاملهم فيما بعد . 

سواء في حياتهم أو في صور نضالهم لتحرير الأرض من إحتلال غاشم دمر كل شئ أحبوه ، وهدم جدرانا كانت تأويهم ، وعاشوا مشردين في الشوارع بلا غطاء و لا ماء ولا غذاء ولا أمان ، بل بلا حياه أصلا .

ما قام و يقوم به العدو الإسراأمريكي من محو  وتدمير الأمان للأطفال سيكون له أثار مدمرة عليهم بالإضافة إلى التأثير النفسي و العضوي . سوف يعيش الأطفال مرحلة الخوف الدائم من الأصوات العالية ، و إرتباك في النوم و عدم الشعور بالأمان بالإضافة الي الكوابيس المزعجة أثناء الخلود للنوم .

أصوات الدمار و صور القتل البشعة ستخلد  في نفوس الأطفال روح الإنتقام و الثأر من العدو ، ولن ينسي الأطفال صور فقدان الأهل أو بكاء الأب القدوة ، الذي عايش لحظة ضعف أمام قوي غاشمة للعدو الإسرائيلي فقد فيها القدرة علي الدفاع عن أسرته ، وتوفير الأمان لهم .

هؤلاء الأطفال الآن بعضهم غير مدرك بصورة كاملة ما يحدث ، وليست لديهم القدرة علي المقاومة ، لذلك سوف يقومون بتخزين تطلعاتهم وقوتهم لحين إتاحة الظروف أمامهم في المستقبل حتي لو تعايش الجانبين في سلام . لن ينسي هؤلاء الأطفال ما حدث . سيتولد لديهم بإستمرار الشعور بالعجز إذا لم ينتقموا من العدو و يثأروا لأرواح أحبابهم التي فقدوها .

فالظروف التي عايشها أطفال الحرب ستجعل منهم في المستقبل أشخاص آخرين ، و تحولهم من معايشة أحلام البراءة وحياة الطفولة إلي حياة الثأر و الإنتقام . أطفال يفقدون الشعور بالأمان بعضهم سوف يعيش فوضي التفكير والخوف من الحياة ، بل و جبن المواجهة ، نتيجة قلة الإمكانيات . بعضهم لن يفكر سوي في الإنتقام من العدو . لذلك فمن غير المنتظر أن تهدأ الأوضاع خلال السنوات القادمة .

هناك جيل من الأطفال سوف يعاني من أعراض الإضطراب النفسي و التلعثم في الكلام و الشعور بالألم في العظام . وهناك بعض الأطفال سوف يعانون من التبول اللاإرادي والإسهال وعدم إنتظام الشهية ، بالإضافة للشعور بالصداع . بينما يعيش بعض الأطفال حالة خوف دائم عند النوم ، و إذا ناموا سوف يعانون من حالات الفزع والخوف والقلق والصراخ وعدم الشعور بالأمان ..

و يمكن أن يصاب بعض الأطفال بقصور في تأخر النمو العقلي والعاطفي . كما سيجد بعضهم صعوبة في الإختلاط في المجتمع و سوف يشعر البعض بالعجز الدائم عن التفكير العاطفي . سوف تسيطر عليهم دائما صور الدمار التي عايشوها وقلة الحيلة ، مما يؤثر علي سلوكياتهم في التعامل مع الآخرين ببنما يمكن أن يصابوا بسلوكيات عدائية مع الآخرين .

سوف يعيش بعضهم في قلق شديد من اللحظة القادمة ، و سوف يشعرون دائما بأنهم ينتظرون حدثا يخافونه ، بالإضافة إلي الأحلام المزعجة نتيجة معايشتهم لذكريات قاسية تسكن عقلهم الباطن .

بالإضافة لحالة حزن شديد وإنعدام الفرحة التي يمكن أن تتحول لحالة اكتئاب ، وقد ينشأ عند بعضهم الإنفعال الشديد مصحوبا بحالات غضب من آي شئ لكونه فقط يريد أن يقوم بتفريغ شحنة غضب مخزونه داخل عقله الباطن .

أطفال سوف يكبرون فقط علي روح الإنتقام من العدو مهما حدث في المستقبل من تقارب . فلن تمحي من أذهانهم تلك الصور البشعة التي عايشوها ، ولن تمحوها مراحل العلاج النفسي بسهولة . جيل عندما يكبر سيحطم كل شئ ، ليشعر بأنه إنتقم لتلك الذكريات التي لن تمحي أبدا من ذاكرته ، إلا بعد الإنتقام من عدو غاشم دمر الأمان الذي كان يعيشه وهو طفل .

نعيش اليوم لنجد الغد فى قلب أطفالنا ،  وتبنى الشعوب على أحلام صغارنا ، فبماذا يحلم أطفال غزة بعد مرارة الرؤية وقسوة العيشة ؟ دم  و أشلاء جثث و مرارة الجوع مشاهد أكثر قسوة على براءة الطفولة .

بالطبع سوف تؤثر تلك الأحداث القاسية علي النمو النفسي و العضوي لهم . فلابد إذا من العمل عن طريق كافة المؤسسات الدولية علي إعادة الإعمار النفسي و السلوكي  لأطفال غزة ، وتعديل السلوك العدواني .

 فقبل العمل على إعادة إعمار المباني و المنشٱت ، لابد من إعادة الإعمار السلوكي النفسي لأطفال غزة وتأهيلهم نفسيا وإجتماعيا للتعايش مع المستقبل بعدما مروا بما لا يتحمل رؤياه أعتى البشر .

كما يجب إنشاء مراكز دعم نفسي  في كل حي ومدرسة و برامج لعب وعلاج بالفن لإخراج الخوف ، أيضا تأهيل الأمهات و المعلمين  ليكونوا خط الدفاع الأول . الإعمار النفسي و السلوكي لهذا الجيل يجب أن يتماشي جنبا إلى جنب مع إعمار المنشآت.