لم تكن أزمة الوقود الخانقة التي شهدتها المملكة المتحدة في سبتمبر عام 2021 نتيجة طبيعية لجفاف آبار النفط، ولا لتوقف خطوط التكرير في المصافي الكبرى؛ فقد كانت مستودعات الطاقة ملأى عن آخرها، والإمدادات الاستراتيجية في أفضل حالاتها آنذاك. لكن الأزمة الحقيقية بدأت من شرارة خبرية مسربة ومقطوعة عن سياقها؛ معلومة مقتضبة تناقلتها وسائل الإعلام تتحدث عن مجرد "نقص عددي في سائقي شاحنات النقل الثقيل (HGV)" الموكل إليهم نقل الوقود من المستودعات إلى محطات التجزئة. وفي ظل غياب التوضيح الحاسم والسريع من الجهات المعنية في الساعات الأولى، تُركت تلك المعلومة تتسلل إلى منصات التواصل وتقتات على مخاوف الشارع. وفي لحظات، سرت الشائعة كالنار في الهشيم؛ وتحولت مقولة "نقص السائقين" في العقل الجمعي إلى "نفاد الذهب الأسود وانقطاع الحياة"، ليدفع الذعر الاستهلاكي ملايين المواطنين نحو محطات الوقود في مشاهد هلع أفرغت على أثرها المحطات خلال أيام وشلت شرايين المدن الكبرى، قبل أن تتدخل الدولة وتستعين بالجيش لاحتواء الفوضى.
ومن المفارقات الملهمة أنه في ذات العام 2021، وتحديداً منتصف فبراير، ضربت العاصفة القطبية "يوري" (Uri) ولاية تكساس الأمريكية، ولم تكن مجرد موجة صقيع عابرة؛ فقد تسببت الانخفاضات القياسية في تجمد آبار استخراج الغاز الطبيعي وتوربينات الرياح ومحطات توليد الطاقة، لتخرج شبكة الكهرباء عن الخدمة، ويجد ملايين البشر أنفسهم بلا تدفئة أو إضاءة وسط ظلام قارس هدد بتحول تلك المحنة إلى فاجعة إنسانية. غير أن إدارة الأزمة رسمياً واجهت الواقع بشفافية مطلقة؛ فعقدت المؤتمرات المتتالية ونشرت البيانات الرقمية الدقيقة ومعدلات العجز بالميجاوات دون تكتم، ليقابل الشارع وأفراد الشعب هذا الوضوح بوعي استثنائي وتضامن مجتمعي وتآزر أهلي رفض الانسياق وراء الشائعات والهلع. هكذا، تكاتفت كفاءة إدارة الأزمة مع وعي الجبهة الداخلية، لتثبت التجربة أن إفصاح الدولة عن الحقيقة بالكامل هو الحصن المنيع الذي يمنع انهيار النظام العام ويحول دون تفاقم الكوارث.
وهذا الدرس المستفاد نراه ماثلاً في التجربة المصرية؛ فعندما واجهت سفينة التغويز والتخزين بميناء دمياط موجة من الشائعات والحملات على منصات التواصل بسبب استهداف مسيرة مجهولة المصدر لها بالميناء، لم تكن تلك الواقعة مجرد زوبعة عابرة، بل جاءت امتداداً لمحاولات النيل من قطاع الطاقة المصري عبر التشويه الممنهج والتأويل المغلوط لزعزعة ثقة المواطنين والتقليل من قدرته على استيعاب الأحداث بمرونة فائقة، لاسيما وأنها أتت بعد نحو شهر ونصف من إعلان الوزارة تحقيق إنجاز غير مسبوق بالوصول إلى "صفر مستحقات" للمستثمرين في هذا القطاع الاستراتيجي. ومُواكبةً لذلك، تجسدت اليقظة الاحترافية لوزارة البترول بقيادة المهندس كريم بدوي في التحرك السريع والفاعل؛ حيث ترجمت الأجهزة المعنية توجيهات الدولة في خطوات عملية حاسمة شملت تأمين وحدة التغويز والتخزين المستهدفة بالحادث وإبعادها عن دائرة الخطر، وتفعيل البدائل الفورية لضمان عدم تأثر الشبكة، بالتوازي مع المكاشفة المطلقة التي أعلن عنها مجلس الوزراء لطمأنة الشارع بحقائق الموقف أولاً بأول.
وهنا تتكشف الغايات الحقيقية لتلك الأعمال؛ فهي لم تكن موجهة للقيادة أو المؤسسة العسكرية قدر الإيقاع بالشعب المصري في المقام الأول. فالعدو ذو الأطماع الخبيثة يراهن دائماً على الحلقة الأضعف من منظوره، وهي الشعوب المستهدفة ومدى تجاوبها مع الزوابع العابرة ودرجة تضامنها مع حكوماتها بغية إسقاط الوعي. لكنه يغفل عن حقيقة راسخة؛ وهي أن جيشنا المصري الأبي لا يختبر ويفشل قط، لقوة إيمان أفراده وتنوع وتطور عتاده، والدليل الساطع على أن تلك البالونات الاختبارية لم تكن موجهة لقواتنا المسلحة هو رمزيتها المحدودة وضعف تأثيرها على أرض الواقع. وعليه، فإن الواجب الوطني يفرض علينا أن ندهس كل تلك الأكاذيب تحت أرجلنا ونمر من فوقها بكل ثقة، كشعب أثبتت التجارب أنه يقول بملء فيه دائماً: “يا جبل ما يهزك ريح”.