أثارت دراسة علمية حديثة مخاوف بشأن التعرض لمجموعة من المواد الكيميائية الموجودة في منتجات يومية، بعد أن حدد الباحثون مئات المواد التي قد تكون مرتبطة بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي، من بينها مادة «المالاثيون» المستخدمة في بعض علاجات قمل الرأس.
مخاطر التعرض للمواد الكيميائية
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «ديلي ميل» البريطانية، فإن الدراسة سلطت الضوء على مصادر التعرض للمواد الكيميائية في مستحضرات التجميل وعبوات الطعام وبعض المنتجات المنزلية والطبية، مشيرة إلى أن التعرض لهذه المواد قد يبدأ قبل ظهور المرض بسنوات أو حتى عقود.
علاج القمل يحتوي على مادة المالاثيون
ومع ذلك، لا تثبت الدراسة أن استخدام علاج معين للقمل أو التعرض لأي مادة كيميائية من المواد المذكورة يؤدي حتمًا إلى الإصابة بسرطان الثدي، وإنما تشير إلى وجود مخاوف تستدعي مزيدًا من البحث والتقييم.
ومن بين المواد التي تناولتها الدراسة مادة المالاثيون (Malathion)، وهي المادة الفعالة الموجودة في مستحضر علاج قمل الرأس «Derbac M»، الذي يُستخدم في بعض الحالات للأطفال والبالغين.
وأشار التقرير إلى أن الباحثين أدرجوا هذه المادة ضمن قائمة مواد كيميائية تستحق الاهتمام بسبب احتمال ارتباطها بمخاطر صحية، لكن ذلك لا يعني ثبوت أن الاستخدام المعتاد للمستحضر يسبب سرطان الثدي.
وتظل سلامة أي علاج مرتبطة بتركيبته وتركيزه وطريقة استخدامه والبيانات العلمية المتاحة عنه. لذلك، لا ينبغي التوقف عن استخدام علاج موصوف أو استبداله من دون استشارة الطبيب أو الصيدلي، خاصة عند علاج الأطفال.

دراسة تحذر من مئات المواد الكيميائية في المنتجات اليومية
نُشرت الدراسة في مجلة Environmental Health Perspectives، واعتمد الباحثون فيها على تحليل أكثر من 12 قاعدة بيانات حكومية أمريكية تتعلق باستخدام المواد الكيميائية ومستويات التلوث ومعدلات تعرض البشر لها.
وركز الباحثون على أكثر من 900 مادة كيميائية سبق تحديدها باعتبارها مواد قد تكون مرتبطة بسرطان الثدي، بما في ذلك مواد يمكن أن تؤثر في الهرمونات، وأخرى أظهرت قدرتها على التسبب في أورام بالغدد الثديية لدى الحيوانات.
وكشفت النتائج أن مئات هذه المواد لا تزال مستخدمة في منتجات الحياة اليومية، بما في ذلك مواد البناء والمعدات الطبية وعبوات الأغذية ومستحضرات التجميل.
وقالت جينيفر كاي، الباحثة الرئيسية في الدراسة، إن الأشخاص يتعرضون لمئات المواد الكيميائية من مصادر متعددة طوال حياتهم، وقد تتراكم آثار هذا التعرض بمرور الوقت.
وأضافت أن سرطان الثدي قد يستغرق سنوات حتى يتطور، وهو ما يجعل الحد من التعرض للمواد التي يُشتبه في أضرارها منذ مراحل مبكرة أمرًا مهمًا في جهود الوقاية.

مواد كيميائية أخرى أثارت مخاوف الباحثين
لم تقتصر المواد التي تناولتها الدراسة على المالاثيون، بل شملت مجموعة من المركبات المستخدمة في منتجات مختلفة، من بينها:
ـ مادة البيسفينول A (BPA):
تُستخدم هذه المادة في بعض المنتجات البلاستيكية، كما يمكن أن توجد في بطانات بعض علب المشروبات وإيصالات الدفع الحرارية. وأشار التقرير إلى أن بريطانيا حظرت استخدامها في زجاجات الأطفال عام 2011، وسط مخاوف من إمكانية انتقالها إلى محتويات الزجاجة.
وأضاف التقرير أن المفوضية الأوروبية اتخذت في ديسمبر 2024 خطوة أوسع بحظر البيسفينول A في المواد الملامسة للأغذية، بينما أشار إلى أن بريطانيا لم تتخذ الإجراء نفسه وقت نشر التقرير.
ـ مادة ميثيل بارابين (Methylparaben):
تُستخدم هذه المادة الحافظة في بعض مستحضرات الترطيب والشامبو ومزيلات العرق، للمساعدة على إطالة مدة صلاحية المنتجات. وأوضح التقرير أن بعض مركبات البارابين يمكن أن تحاكي تأثير هرمون الإستروجين في الجسم، وهو هرمون قد يساهم في نمو بعض أنواع سرطان الثدي.
لكن وجود هذه المادة في منتج ما لا يعني تلقائيًا أن استخدامه يؤدي إلى الإصابة بالسرطان؛ إذ يتوقف تقييم المخاطر على نوع المادة وتركيزها ومستوى التعرض لها والأدلة العلمية المتاحة.

ـ مادة البنزين (Benzene):
توجد مصادر التعرض للبنزين في البيئة، ومنها عوادم السيارات ودخان السجائر. وأدرجها الباحثون ضمن المواد التي تستحق الدراسة بسبب المخاوف المتعلقة بخصائصها الصحية.
ـ مادة الستايرين (Styrene):
تُستخدم هذه المادة في تصنيع بعض أنواع البلاستيك والمواد المستخدمة في عبوات الطعام وأكواب المشروبات، وأشار التقرير إلى أنها من المواد التي تناولها الباحثون في تقييم مصادر التعرض الكيميائي.
ـ مادة DEHP:
تُستخدم هذه المادة لتليين بعض أنواع البلاستيك، وقد توجد في بعض المعدات الطبية. وأدرجها الباحثون ضمن المواد التي تستحق مزيدًا من التقييم فيما يتعلق بالتعرض المتكرر وتأثيراته الصحية المحتملة.
وأشار التقرير كذلك إلى عدد من المبيدات الحشرية التي تناولتها الدراسة، موضحًا أن بعضها لم يعد معتمدًا للاستخدام الزراعي في بريطانيا.

لماذا يثير التعرض المتكرر للمواد الكيميائية القلق؟
أوضح الباحثون أن تقييم سلامة المواد الكيميائية قد يركز في بعض الأحيان على كل مادة بمفردها، بينما يتعرض الأشخاص في الحياة اليومية لمزيج من المركبات القادمة من مصادر مختلفة.
ويرى الباحثون أن هذه الفجوة قد تمثل نقطة ضعف في تقييم المخاطر، خصوصًا أن بعض الأمراض، ومنها سرطان الثدي، قد يستغرق ظهورها سنوات طويلة.
ومع ذلك، لا تثبت الدراسة أن اجتماع هذه المواد في الحياة اليومية يؤدي بالضرورة إلى الإصابة بالسرطان، كما لا تحدد أن مادة واحدة بعينها مسؤولة عن زيادة حالات المرض.

ارتفاع حالات سرطان الثدي بين النساء الأصغر سنًا
أشار تقرير «ديلي ميل» إلى أن حالات سرطان الثدي بين النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 20 و49 عامًا ارتفعت بنحو 10% خلال العقد الماضي.
ووفقًا للأرقام الواردة في التقرير، يُشخَّص نحو 59 ألف امرأة و420 رجلًا بسرطان الثدي سنويًا في المملكة المتحدة.
وأكد التقرير أن سرطان الثدي ليس له سبب واحد، وأن الدراسة لا تثبت أن التعرض لأي من المواد الكيميائية التي حددها الباحثون يؤدي حتمًا إلى المرض.
ومن بين عوامل الخطر المعروفة التقدم في العمر ووجود تاريخ عائلي للإصابة، إلى جانب عوامل أخرى تشمل تناول الكحول والتدخين وزيادة الوزن وكثافة أنسجة الثدي والتعرض لبعض الهرمونات، بما في ذلك العلاج بالهرمونات البديلة في ظروف معينة.

كيف يمكن تقليل التعرض للمواد الكيميائية المحتمل ضررها؟
في ضوء المخاوف المتعلقة بالتعرض للمواد الكيميائية، يمكن اتباع مجموعة من الخطوات الاحترازية، دون المبالغة في تقدير المخاطر أو التوقف عن استخدام المنتجات الضرورية دون سبب طبي:
ـ استخدام علاجات القمل وفقًا للتعليمات المرفقة وبناءً على إرشادات الطبيب أو الصيدلي، خاصة للأطفال.
ـ تجنب الاستخدام المفرط أو غير الضروري للمستحضرات الكيميائية، وعدم خلط المنتجات المختلفة دون معرفة مدى أمان ذلك.
ـ اتباع تعليمات الاستخدام والتخزين الخاصة بمنتجات التجميل والمنظفات والمبيدات.
ـ عدم تسخين الطعام في عبوات بلاستيكية إلا إذا كانت مصممة ومخصصة لهذا الاستخدام.
ـ تقليل التعرض لدخان السجائر، والابتعاد عن التدخين السلبي.
ـ الحفاظ على وزن صحي، وتجنب الكحول، والالتزام بالفحوصات الطبية الموصى بها وفقًا للعمر والتاريخ الصحي والعائلي.
وفي النهاية، تسلط الدراسة الضوء على أهمية تقييم المواد الكيميائية التي يتعرض لها الإنسان من مصادر متعددة، لكنها لا تقدم دليلًا قاطعًا على أن علاج القمل المحتوي على المالاثيون يسبب سرطان الثدي. ويظل تقييم المخاطر بحاجة إلى مزيد من الدراسات التي توضح العلاقة بين مستويات التعرض الفعلية واحتمالات الإصابة بالمرض.

