سواء كان ذلك كيسًا من رقائق البطاطس أثناء استراحة العمل، أو وجبة سريعة التحضير (نودلز) في أمسية مزدحمة، أو وجبة جاهزة للأكل عندما يبدو الطهي مجهدًا أكثر من اللازم؛ فقد أصبحت الأطعمة فائقة المعالجة جزءًا من حياتنا اليومية. ومع ذلك، تزايدت المخاوف بشأن آثارها الصحية على المدى الطويل. ومن الأسئلة التي لا تزال تثير الاهتمام: هل يمكن الأطعمة المعلبة أن تزيد من خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم؟
لقد أسفرت الأبحاث حول هذا الموضوع عن نتائج متباينة، ويُسلط أحدث تقرير الضوء على نقطة جوهرية: فغياب رابط واضح لا يعني بالضرورة أن الطعام غير ضار.
ماذا تقول الأبحاث؟
تناولت دراسة نُشرت في دورية "ذا بي إم جي" (The BMJ) العلاقة بين استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة وخطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، وذلك من خلال متابعة 206,248 رجلًا وامرأة ضمن ثلاث مجموعات بحثية كبيرة تضم عاملين في القطاع الصحي بالولايات المتحدة. وقد جرى تقييم الأنظمة الغذائية للمشاركين كل 4 سنوات، بينما تتبع الباحثون حالات تشخيص السرطان لديهم على مدى فترة تراوحت تقريبًا بين 24 و28 عامًا.
سجّل الباحثون 3216 حالة إصابة بسرطان القولون والمستقيم خلال فترة المتابعة. ولم تكن النتائج متماثلة بين الجنسين؛ إذ تبين أن الرجال الذين يستهلكون كميات أكبر من الأغذية فائقة المعالجة يواجهون خطراً أعلى بنسبة 29% للإصابة بسرطان القولون والمستقيم مقارنةً بمن يستهلكون كميات أقل منها. وكان هذا الارتباط أوضح بشكل خاص فيما يتعلق بسرطان القولون البعيد (الجزء الأخير من القولون)، حيث ارتفع الخطر بنسبة 72%. أما بالنسبة للنساء، فلم يجد الباحثون ارتباطاً ذا دلالة إحصائية بين إجمالي استهلاك الأغذية فائقة المعالجة وخطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم.
تشير هذه النتائج إلى أن العلاقة بين النظام الغذائي والسرطان قد تكون أكثر تعقيداً من مجرد تصنيف جميع الأغذية فائقة المعالجة ضمن فئة واحدة. كما أن هذه النتائج لا تثبت أن هذه الأغذية تسبب السرطان بشكل مباشر.
هل جميع الأطعمة المعلبة متساوية في خطورتها؟
ليس بالضرورة. تشمل الأطعمة فائقة المعالجة مجموعة واسعة من المنتجات، من الوجبات الخفيفة المعلبة والمشروبات السكرية إلى الوجبات الجاهزة ومنتجات اللحوم المصنعة. وقد يختلف تركيبها الغذائي اختلافًا كبيرًا.
وجدت دراسة نُشرت في المجلة الطبية البريطانية (BMJ) ارتباطات بين فئات غذائية معينة وخطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم. فقد ارتبطت المنتجات الجاهزة للأكل المصنوعة من اللحوم والدواجن والمأكولات البحرية، بالإضافة إلى المشروبات المحلاة، بزيادة خطر الإصابة لدى الرجال. بينما ارتبطت الأطباق الجاهزة للأكل أو التي تُسخّن وتُقدّم بزيادة خطر الإصابة لدى النساء.
لا تعني هذه النتائج أن تناول أيٍّ من هذه الأطعمة سيؤدي إلى الإصابة بالسرطان. بل تُشير إلى أهمية دراسة كل فئة غذائية على حدة، بالإضافة إلى أنماط النظام الغذائي بشكل عام، بدلاً من افتراض أن جميع المنتجات المعلبة تحمل نفس المخاطر.
لماذا تحتاج هذه النتائج إلى دراسة متعمقة؟
يمكن للدراسات الغذائية تحديد الارتباطات، لكنها لا تستطيع دائمًا إثبات العلاقة السببية. قد يختلف الأشخاص الذين يستهلكون كميات أكبر من الأطعمة فائقة المعالجة في جوانب أخرى، بما في ذلك تناولهم للألياف، ونشاطهم البدني، وعادات التدخين، وجودة نظامهم الغذائي بشكل عام. يحاول الباحثون مراعاة هذه العوامل، لكن لا يزال هناك بعض الغموض.
تناولت مراجعة منهجية وتحليل تجميعي -نُشرا كمسودة بحثية (pre-print) في عام 2025- الأدلة المتاحة من دراسات الأتراب الاستباقية (prospective cohort studies) التي شملت نحو 404,000 مشارك. ولم تتوصل الدراسة إلى وجود ارتباط ذي دلالة إحصائية بين الاستهلاك المرتفع للأغذية فائقة المعالجة وخطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم. ومع ذلك، كانت الأدلة محدودة، مما دفع المؤلفين إلى الدعوة لإجراء دراسات أوسع لتوضيح طبيعة هذه العلاقة.
وتُبيّن هذه النتائج مجتمعةً لماذا لا ينبغي اعتبار أي دراسة فردية بمثابة القول الفصل فيما يتعلق بالعلاقة بين النظام الغذائي والسرطان.
هل ينبغي عليك التوقف عن تناول الأغذية المعلبة؟
لا توجد أدلة تبرر افتراض أن كل غذاء فائق المعالجة يزيد من خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم. وفي المقابل، فإن عدم وجود ارتباط ذي دلالة إحصائية لا يعني بالضرورة أن الاستهلاك المتكرر لهذه الأغذية خالٍ من المخاطر.
لذا، فإن النهج العملي يكمن في إعطاء الأولوية لنظام غذائي متنوع وغني بالخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات وغيرها من الأطعمة الغنية بالألياف، مع الحد في الوقت ذاته من تناول اللحوم المصنعة، وتقليل استهلاك الأطعمة الغنية بالملح والسكريات المضافة والدهون المشبعة. فجودة النظام الغذائي ككل تُعد أمراً جوهرياً، إلى جانب عوامل أخرى مثل النشاط البدني، واستهلاك الكحول، والتدخين. كما يتأثر خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم بعوامل متعددة، تشمل العمر، والتاريخ العائلي، وبعض الحالات الطبية. لذا، فإن حدوث تغيرات مستمرة في عادات الإخراج، أو ظهور دم في البراز، أو فقدان الوزن غير المبرر، يستدعي إجراء تقييم طبي، بدلاً من الاكتفاء بافتراضات تتعلق بالنظام الغذائي وحده.
خلاصة القول: لا تندرج الأغذية المعلبة تحت فئة غذائية واحدة، ولا يمكن اختزال خطر الإصابة بالسرطان في إجابة بسيطة بـ "نعم" أو "لا". ونظراً لأن الأبحاث لا تزال في طور التطور، فإن التصرف الحكيم هو التركيز على تحقيق التوازن الغذائي، دون اعتبار أي دراسة سبباً للذعر، أو مبرراً لتجاهل النصائح الصحية الراسخة بشأن التغذية السليمة.

