لا تقتصر أسباب الإصابة بأمراض الكبد على الإفراط في تناول الكحوليات، إذ يمكن أن تؤدي العادات الغذائية اليومية، مثل تناول الطعام في وقت متأخر من الليل والإكثار من المشروبات المحلاة، إلى زيادة مخاطر تراكم الدهون في الكبد.
عادات يومية تهدد صحة الكبد
وتُعدّ أمراض الكبد الدهنية المرتبطة بخلل التمثيل الغذائي (MASLD)، التي كانت تُعرف سابقًا باسم مرض الكبد الدهني غير الكحولي، من المشكلات الصحية التي ترتبط بتراكم الدهون داخل الكبد، وقد تتطور في بعض الحالات إلى التهاب وتليف وتشمع الكبد، وصولًا إلى الفشل الكبدي أو سرطان الكبد.
وفقًا لما أورده تقرير لصحيفة «ديلي ميل» البريطانية، فقد أشار التقرير المنشور، إلى أن توقيت تناول الطعام، ونوعية المشروبات، وطبيعة النظام الغذائي، واستخدام بعض المكملات الغذائية، من العوامل التي تستحق الانتباه للحفاظ على صحة الكبد، وتشمل:
- تناول الطعام بعد العشاء يزيد مخاطر الإصابة بالكبد الدهني:
كشفت دراسة أجراها باحثون في جامعة أوريجون للصحة والعلوم بالولايات المتحدة، وشملت عادات تناول الطعام لدى نحو 200 ألف مشارك، عن ارتباط تناول الطعام في وقت متأخر من الليل بزيادة تتراوح بين 20% و30% في مخاطر الإصابة بأشكال مختلفة من أمراض الكبد.
ووفقًا للتقرير، شمل تعريف الأكل المتأخر تناول الطعام بعد العشاء أو بعد موعد النوم المعتاد.
ويرجح الباحثون أن يرتبط ذلك بالإيقاع اليومي للجسم، إذ يعمل الكبد خلال النهار على معالجة العناصر الغذائية وتنظيم سكر الدم واستقلاب الدهون، بينما تتباطأ بعض العمليات الأيضية ليلًا، عندما يكون الجسم مهيأً للنوم والصيام.
كما ترتبط ساعات الصيام بعمليات صيانة خلوية، منها الالتهام الذاتي، التي تساعد الجسم على التخلص من بعض المكونات الخلوية التالفة وإعادة تدويرها.
وتشير أبحاث أجريت على الحيوانات إلى أن تناول الطعام خارج التوقيت الطبيعي قد يؤثر في الجينات المنظمة لعملية التمثيل الغذائي داخل الكبد، وربما يعزز تخزين الدهون.
ومع ذلك، فإن الارتباط الذي رصدته الدراسة لا يثبت وحده أن تناول الطعام ليلًا يسبب أمراض الكبد بصورة مباشرة.

- الإفراط في الكربوهيدرات المكررة قد يرفع دهون الكبد:
قد يؤدي الإكثار من الكربوهيدرات المكررة، مثل الخبز الأبيض والمكرونة المصنوعة من الدقيق المكرر، إلى زيادة العبء الأيضي على الكبد، خاصة عند استهلاك سعرات حرارية تتجاوز احتياجات الجسم.
وأوضح التقرير أن الفائض من السكر الناتج عن تناول كميات كبيرة من الكربوهيدرات يمكن أن يتحول إلى دهون تُخزن في الكبد.
وأشار إلى أبحاث قارنت بين نظام غذائي منخفض الكربوهيدرات ونظام غذائي على نمط حمية البحر المتوسط لدى أشخاص يعانون من الكبد الدهني.
ووفقًا للأرقام التي أوردها التقرير، انخفضت دهون الكبد بنسبة 67% خلال خمسة أشهر لدى المجموعة التي اتبعت نظامًا منخفض الكربوهيدرات، مقابل انخفاض بنحو 45% لدى المجموعة التي اتبعت النظام المتوسطي.
ويُحتمل أن يرتبط هذا التحسن بتقليل الارتفاعات في مستويات الجلوكوز والإنسولين، لكن النتائج لا تعني أن اتباع نظام غذائي غني باللحوم المصنعة والدهون المشبعة هو الخيار الأفضل لصحة الكبد.
ويؤكد التقرير أهمية اختيار الدهون غير المشبعة الموجودة في زيت الزيتون والمكسرات والبذور والأسماك الدهنية، بدلًا من الاعتماد على اللحوم المصنعة مثل النقانق واللحوم المقددة.

- هل المشروبات الغازية الدايت تضر الكبد؟:
لم تعد المشروبات الغازية المحلاة بالسكر وحدها محل اهتمام الباحثين، إذ تناول التقرير دراسة صينية ربطت بين استهلاك المشروبات منخفضة السعرات أو الخالية من السكر، التي تحتوي على محليات صناعية، وزيادة خطر الإصابة بمرض الكبد الدهني.
ووفقًا للأرقام الواردة في التقرير، ارتبط تناول مشروب واحد يوميًا من المشروبات المحلاة صناعيًا بزيادة خطر الإصابة بالكبد الدهني بنسبة 60%، بينما ارتبط الاستهلاك المنتظم للمشروبات المحلاة بالسكر بزيادة الخطر بنسبة 50%.
ويرجح الباحثون أن تكون بعض المحليات الصناعية مرتبطة بتغيرات في بكتيريا الأمعاء أو عمليات التمثيل الغذائي، بما قد يؤثر في الالتهاب وتراكم الدهون، إلا أن هذه الآليات لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.
ومن المهم التوضيح أن الدراسة رصدية، ولا تثبت أن المشروبات الدايت تسبب الكبد الدهني بشكل مباشر. كما لا تعني هذه النتائج أن المشروبات المحلاة بالسكر أكثر أمانًا؛ فالإفراط في السكر، خصوصًا الموجود في المشروبات الغازية، قد يساهم أيضًا في تراكم الدهون داخل الكبد.
ويظل الماء خيارًا مناسبًا للترطيب، لأنه لا يحتوي على السكر أو المحليات المضافة.

- مكملات غذائية قد تضر الكبد عند الإفراط في تناولها:
قد يعتقد البعض أن المكملات الغذائية والمستخلصات العشبية آمنة لمجرد أنها طبيعية، لكن التقرير حذر من أن بعض المنتجات قد تسبب أضرارًا للكبد، خاصة عند تناول جرعات مرتفعة أو مستخلصات مركزة.
ومن أبرز المواد التي تناولها التقرير:
ـ فيتامين أ: يمكن أن يتراكم في الجسم لأنه من الفيتامينات الذائبة في الدهون، وقد يصل إلى مستويات سامة عند الإفراط في تناوله.
ـ الأشواغاندا: ارتبط استخدامها في بعض التقارير بحالات إصابة الكبد.
ـ مستخلص الشاي الأخضر المركز: ارتبط في بعض الحالات بإصابات كبدية، خصوصًا عند تناوله في صورة مكملات عالية التركيز.
ـ بعض المستخلصات العشبية، ومنها الكركم: وردت تقارير عن ارتباط بعض المنتجات المحتوية عليها بإصابات في الكبد.
وأشار التقرير إلى أن الكبد مسؤول عن معالجة العديد من المركبات التي تدخل الجسم، وقد تتسبب بعض المواد في تفاعلات التهابية أو مناعية تؤثر في خلاياه لدى أشخاص قابلين لذلك.
لذلك، يُفضل الحصول على الفيتامينات والمعادن من الغذاء المتوازن قدر الإمكان، وعدم تناول المكملات بجرعات مرتفعة أو الجمع بين عدة منتجات دون استشارة مختص.

- القهوة قد تساعد في حماية الكبد:
على الجانب الآخر، أشار التقرير إلى أن شرب القهوة بانتظام ارتبط في دراسات عديدة بانخفاض احتمالات الإصابة بتشمع الكبد وسرطان الكبد ومراحل متقدمة من أمراضه.
وتحتوي القهوة على مركبات متعددة، من بينها مضادات الأكسدة، التي قد تساعد في الحد من الالتهاب وتكوّن الأنسجة المتليفة داخل الكبد.
كما أشار التقرير إلى دراسة نُشرت عام 2025، تناولت مرضى مصابين بتشمع الكبد، وذكرت تحسنًا في وظائف الكبد لدى من تناولوا نحو أربعة أكواب من القهوة يوميًا.
وذكر التقرير أن بعض الأبحاث وجدت فوائد محتملة للقهوة منزوعة الكافيين أيضًا، وهو ما يشير إلى أن بعض المركبات الموجودة في القهوة، وليس الكافيين وحده، قد تكون مسؤولة عن هذه التأثيرات.
لكن هذه النتائج لا تعني أن شرب أربعة أكواب يوميًا مناسب للجميع؛ إذ تختلف القدرة على تحمل الكافيين، كما ينبغي مراعاة الحالة الصحية والأدوية وجودة النوم.

- فقدان 5% من الوزن قد يساعد في تقليل دهون الكبد:
يُعد فقدان الوزن عند الحاجة من الخطوات المهمة لتحسين صحة الكبد لدى المصابين بالكبد الدهني المرتبط بخلل التمثيل الغذائي.
ووفقًا لما أورده التقرير نقلًا عن أبحاث الجمعية الأمريكية لأمراض الجهاز الهضمي، فإن فقدان نحو 5% من وزن الجسم قد يساعد على تقليل الدهون المتراكمة في الكبد، بينما قد يرتبط فقدان 10% أو أكثر بتحسن الالتهاب وبعض مظاهر التليف لدى بعض المرضى.
ولا يتطلب الأمر بالضرورة اتباع حمية قاسية أو فقدان الوزن بسرعة؛ إذ يمكن أن يساعد تقليل أحجام الحصص الغذائية وخفض السعرات اليومية بنحو 10% على تحقيق عجز معتدل في السعرات الحرارية يمكن الاستمرار عليه.
ويؤكد الخبراء أن فقدان الوزن التدريجي والمستدام أفضل من الحميات القاسية التي يصعب الالتزام بها على المدى الطويل.

كيف تحمي الكبد من الدهون والتليف؟
يمكن اتباع مجموعة من الخطوات التي تساعد على تحسين صحة الكبد وتقليل عوامل الخطر، ومنها:
ـ تجنب تناول الطعام بصورة متكررة بعد العشاء وقرب موعد النوم.
ـ الحد من المشروبات الغازية المحلاة بالسكر، وعدم افتراض أن المشروبات الدايت خالية تمامًا من المخاطر.
ـ تقليل الإفراط في الكربوهيدرات المكررة والأطعمة عالية السعرات.
ـ اختيار الدهون غير المشبعة، مثل زيت الزيتون والمكسرات والأسماك الدهنية.
ـ تجنب الإفراط في تناول اللحوم المصنعة.
ـ عدم استخدام المكملات الغذائية أو المستخلصات العشبية بجرعات مرتفعة دون استشارة مختص.
ـ تناول القهوة باعتدال إذا كانت مناسبة للحالة الصحية.
ـ الحفاظ على وزن صحي، مع استهداف فقدان تدريجي للوزن عند الحاجة.

هل يمكن علاج الكبد الدهني؟
يمكن أن تتحسن دهون الكبد، وقد تتراجع بعض التغيرات المرتبطة بالمرض، خاصة عند اكتشاف الحالة مبكرًا ومعالجة العوامل المساهمة فيها، مثل زيادة الوزن واضطرابات سكر الدم.
لكن درجة التحسن تختلف باختلاف مرحلة المرض، ولا يعني تعديل النظام الغذائي أن جميع حالات التليف قابلة للعكس بالكامل. وقد يتطور الكبد الدهني دون أعراض واضحة، لذلك تظل المتابعة الطبية مهمة، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون من السمنة أو السكري أو عوامل الخطر الأيضية.

