سامح فهمي:
-عدد السكان في مصر يستنزف الإنتاج
-قرار الحكومة بتثبيت أسعار البنزين شجاع
-أبرز تحديات القطاع اشتعال المنافسة في منطقة شرق المتوسط مع ظهور قوى صاعدة في ملف الغاز
في وقت يمر فيه ملف الطاقة العالمي بمنعطف تاريخي بالغ التعقيد، وتلقي فيه التوترات الجيوسياسية بظلالها على خريطة الإنتاج والاستهلاك العالمي، تبرز منطقة شرق المتوسط كأحد أهم محاور الصراع والشراكة في آن واحد، وفي قلب هذا المشهد الإستراتيجي، نجحت مصر في حجز مقعد الريادة كمركز إقليمي ومحوري للطاقة، مستندة إلى إرث عريق وبنية تحتية باتت محط أنظار العالم.
ولفك شفرات هذا المشهد المعقد، ومناقشة كواليس مؤتمر حوض البحر الأبيض المتوسط للبترول، نلتقي اليوم بقامة رفيعة وخبرة إستراتيجية استثنائية في هذا القطاع؛ المهندس سامح فهمي، وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق.
في هذا الحوار الخاص، يضع المهندس سامح فهمي يدُه على مكامن القوة والتحديات التي تواجه قطاع الطاقة المصري، كاشفاً بوضوح عن رؤيته لفرص المنافسة الإقليمية في شرق المتوسط، وأهمية سداد مستحقات الشركاء الأجانب في استعادة الثقة، وصولاً إلى البُعد الاجتماعي الإنساني وراء القرارات السيادية الأخيرة بتثبيت أسعار الوقود. وإلى نص الحوار..
ما هو انطباعكم عن مؤتمر حوض البحر الأبيض المتوسط للطاقة هذا العام، وما الذي يميزه عن السنوات السابقة؟
بلا شك، كل حدث يُعقد في مصر حالياً يكتسب أهمية مختلفة نظراً للتوترات الجيوسياسية الحادة عالمياً، وخاصة تلك المتعلقة بملف الطاقة، إن المحرك الحقيقي للصراعات الإقليمية والدولية الراهنة هو الرغبة في السيطرة على مصادر الطاقة ومحاولة تحجيم معدلات النمو الاقتصادي لبعض القوى الصاعدة. وفي ظل هذه الأجواء، تبرز أهمية احتضان مصر لهذا المؤتمر لترسيخ مكانتها كمركز إقليمي، ووضع الدول الشريكة مثل قبرص واليونان على المسار التعاوني الصحيح والمستقر بعيداً عن صراعات المحاور.
يتردد دائماً أن مصر مركز إقليمي للطاقة، ما هي الركائز الفعالة التي تدعم هذه المكانة إقليمياً وعالمياً؟
مصر مركز إقليمي وعالمي منذ زمن طويل، وتزداد أهميتها اليوم بفضل ركيزتين: الأولى هي البنية التحتية العملاقة والمتكاملة لقطاع البترول المصري، والتي تعد من الأعظم عالمياً وتمتد خبرتها لأكثر من 140 عاماً؛ فرغم أن إنتاجنا من الزيت ليس الأكبر، إلا أننا نمتلك شبكة وتجهيزات لا مثيل لها. والركيزة الثانية هي التخطيط الإستراتيجي الحالي الذي تتبناه القيادة السياسية لرسم خطط قصيرة ومتوسطة المدى للاستفادة القصوى من هذه البنية وتحويلها إلى موارد اقتصادية ضخمة.
هل تأخرت مصر في تطبيق التكنولوجيات الحديثة مثل "المسح السيزمي" لجذب الشركات العالمية؟
التكنولوجيا في حد ذاتها ليست جديدة وهي مستخدمة في القطاع منذ فترات طويلة، ولكن السر الحقيقي يكمن في اختيار التوقيت المناسب لتطبيقها، لقد نفذت مصر مسوحات سيزمية دورية هامة، لاسيما في مناطق جديدة وواعدة للغاية مثل البحر الأحمر، بالإضافة إلى تجديد وتحديث مسوحات البحر المتوسط والدلتا لتقديم بيانات أكثر دقة تطمئن الشركات العالمية وتدفعها لتكثيف عمليات الحفر والاستكشاف.
ما هي أبرز التحديات التي تواجه قطاع الطاقة في مصر حالياً؟
يواجه القطاع تحديات مركبة، أبرزها اشتعال المنافسة في منطقة شرق المتوسط مع ظهور قوى صاعدة في ملف الغاز مثل قبرص، وهو ما يفرض واقعاً يجمع بين التنافس وفرص التعاون الإقليمي المشترك. أما التحدي الداخلي الأكبر فهو الضغط السكاني المرتفع؛ حيث يتجاوز عدد السكان حالياً 110 ملايين نسمة، وهو ما يرفع معدلات الاستهلاك المحلي بشكل هائل ويستنزف جزءاً كبيراً من الإنتاج والمميزات التي تمنحها لنا الاكتشافات الجديدة. ومع ذلك، فإنني أؤكد بثقة أن مصر غنية بالنفط والغاز، والنجاح قادم بالعمل الجاد.
كيف تقيمون الخطوات الأخيرة الخاصة بملف الشركات الأجنبية وتسوية مستحقاتها؟
سداد مستحقات الشركاء الأجانب بالكامل خطوة إيجابية للغاية ودافعة للأمام بطريقة غير مسبوقة. في ظل التوترات السياسية الراهنة، تتردد أي شركة في ضخ استثمارات جديدة إذا كانت لديها مديونيات معلقة، ولكن بعد تسوية هذا الملف بالكامل، استعاد الشركاء الثقة وضخوا استثمارات جديدة، وبدأنا نلمس بالفعل بوادر ومؤشرات ممتازة لإضافة كميات كبيرة للإنتاج المحلي.
ما تعليقكم على قرار الدولة بتثبيت أسعار البنزين والوقود حتى نهاية العام؟
هو قرار شجاع ومحترم جداً ينم عن شعور عميق بالمسؤولية تجاه المواطن. فبالرغم من التغيرات الواضحة في المؤشرات العالمية الحاكمة للتسعير (مثل سعر صرف الدولار وسعر برميل النفط) والتي كانت تفرض أعباءً ضخمة على الموازنة العامة، إلا أن القيادة السياسية والحكومة ووزارة البترول آثروا إعادة ترتيب الأولويات ومراعاة البُعد الاجتماعي للمواطن للتخفيف من آثار التضخم العالمي الحالي.



