شارك الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، في جلسة بعنوان "الخطاب الديني وتأثيره على القيم في المجتمع"، خلال فعاليات منتدى مصر 2026، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، ودولة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، والأنبا ميخائيل، أسقف إيبارشية حلوان والمعصرة و15 مايو، وأدار الجلسة الإعلامي أسامة كمال.
وأوضح الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، خلال كلمته، أن تجديد الخطاب الديني يبدأ بفهم طبيعة التحديات واحتياجات الجمهور، ثم إعداد المحتوى المناسب وتجريبه، وتأهيل الكوادر القادرة على تقديمه، وتوسيع المبادرات الفاعلة، وصولا إلى قياس الأثر وضمان استمراره؛ إذ تتطور استراتيجية الأزهر في مواجهة التطرف والرد على الشبهات بتطور التحديات الفكرية والتقنية، من خلال الرصد المبكر للظواهر المتطرفة وتحليل أسبابها وإنتاج محتوى معرفي معتدل، وتقوم هذه الاستراتيجية على عدم الاكتفاء بالرد على الشبهات بعد انتشارها، بل تبدأ برصد التحولات الفكرية مبكرا، وتشخيص أسباب الانجراف نحو التشدد، وفهم الدوافع النفسية والسلوكية والاجتماعية التي قد تجعل الإنسان أسيرا للأفكار المنحرفة.
المعالجة الفكرية للتطرف
كما تستند المعالجة الفكرية إلى أربع حلقات مترابطة، تبدأ بالمعرفة بالمحتوى المعتدل، ثم تكوين القناعة به، وتحويل الفكر إلى ممارسة يومية، وصولا إلى استدامة السلوك الإيجابي بدعم الأسرة والمؤسسات والبيئة المحيطة، مع متابعة النتائج وقياس أثرها، وينطلق منهج الأزهر من الوسطية والاعتدال واحترام كرامة الإنسان وصيانة الاعتقاد والعبادة واحترام خصوصية الآخر، والجمع بين ثوابت الهوية والانفتاح الواعي على الثقافات والمعارف الإنسانية.
وشدد الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية على أن تجديد الخطاب الديني يتطلب مراعاة التنوع الجغرافي والاجتماعي والثقافي للمجتمع المصري، والاعتماد على الحوار والقدوة والتربية العملية بدلا من الاقتصار على التلقين، مع الشفافية في تقويم الأثر وقياس النتائج، وتمر منظومة الأزهر في مواجهة التطرف وتحصين الوعي بسبع مراحل مترابطة، تشمل التشخيص وإعداد المحتوى، وتجريب المعالجة، والتدريب والتأهيل، والتوسع المؤسسي، وتطوير الشراكات، وإصدار التقارير السنوية وقياس الأثر، ثم الاستدامة لضمان استمرار النتائج الإيجابية، مبينا أن جهود مواجهة التطرف لا تكتمل بمجرد إطلاق المبادرات أو تنفيذ البرامج، بل تتطلب قياس الأداء ومتابعة الإنجاز وتقييم نتائج المعالجة؛ للتأكد من انتقال الجهود من مستوى التنفيذ إلى إحداث تغيير حقيقي في الوعي والفكر والسلوك.
وبين الدكتور محمد الجندي، أن الأزهر يعمل على تفكيك البنية الفكرية للإرهاب عبر 13 لغة، من خلال مرصد الأزهر، لملاحقة التنظيمات الإرهابية في الفضاء الإلكتروني، وتفنيد أكثر من 25 ألف فتوى شاذة وشبهة أطلقتها تنظيمات إرهابية، من بينها داعش والقاعدة، بلغاتها الأصلية، ويواصل المرصد منذ تأسسيه في 2015، إنتاج محتوى توعوي وفكري لمواجهة خطاب التعصب والكراهية، إلى جانب المبادرات والبرامج التدريبية الهادفة إلى نشر الوسطية والاعتدال، والتي شملت حصيلة المرصد في هذا المجال تنفيذ 1263 حملة توعوية لمواجهة التطرف وخطاب التعصب والكراهية، ونشر 10 آلاف و748 منشورا باللغة العربية، و17 ألفا و372 منشورا باللغات الأخرى، إلى جانب 787 مقطعا مرئيا و574 إنفوجرافا، ونشر 2127 مقالا على بوابة الأزهر الإلكترونية، فضلا عن إنتاج 3632 مقالا وتقريرا باللغات الأجنبية خلال عام 2026، وإصدار 181 عملا في مواجهة التطرف.
كما يمثل التوسع في لجان الفتوى والحضور الإفتائي الميداني أحد مسارات الأزهر لمواجهة الاستقطاب الفكري، من خلال إتاحة الفتوى الموثوقة للجمهور، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، حيث بلغ إجمالي الفتاوى التي قدمها مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية 17 مليون فتوى حتى عام 2026، بالتوازي مع العمل الإفتائي الميداني من خلال 228 لجنة فتوى،كما تسهم مراكز ووحدات تحصين الوعي بالأزهر في مواجهة الشبهات وتقديم الخطاب الديني المعاصر، من خلال الرصد وتحليل المحتوى والدعوة باللغات والتواصل المباشر مع الجمهور، إلى جانب إنتاج المواد التوعوية المرئية وتطوير البرامج الإلكترونية والبودكاست.
وأشار الدكتور محمد الجندي إلى أن المجال المعرفي حظي باهتمام كبير من قطاعات الأزهر ، حيث ارتفع عدد إصداراتها من ثلاثة أعمال عام 2014 إلى 2055 إصدارا عام 2026، وتم ترجمة 98 عنوانا خلال السنوات الأربع الأخيرة إلى 15 لغة، في إطار جهود نقل المعارف الإسلامية إلى جمهور متعدد اللغات وتوسيع نطاق إتاحة الفكر المعتدل خارج حدود اللغة العربية.
كما تمثل رقمنة مجلة الأزهر خطوة مهمة في إتاحة تراثها الفكري والمعرفي الممتد عبر أكثر من مائة عام، إذ تضم إصداراتها 106 مجلدات، كما ترجمت إلى ست لغات، وشهدت بوابة الأزهر الإلكترونية خلال عام 2026 تحديثا يستهدف توسيع إتاحة الكتب والمعارف الأزهرية رقميا، حيث بدأت عملية تحميل الكتب، وأتيح بالفعل 40 كتابا لم يسبق طبعها، مع استهداف تحميل ألف كتاب خلال العام، كما تضم مكتبة الأزهر الشريف أكثر من 46 ألف مخطوطة، إلى جانب آلاف الكتب والمطبوعات، بما يجعل رقمنة هذا التراث وإتاحته هدفا مهما لحفظ الذاكرة العلمية وتيسير الوصول إلى مصادر المعرفة الإسلامية.
واستعرض الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، جهود وحدة الدعوة الإلكترونية بمجمع البحوث الإسلامية في توظيفها للتقنيات الرقمية في مجال الدعوى، حيث أنتجت نحو نحو 650 فيديو توعويا منذ إنشائها في يونيو من عام 2026، كما تضمنت جهود وحدة "تحدث معنا" الرد على 3 آلاف حالة، وتفنيد 323 شبهة، وإنتاج 60 فيديو بلغة الإشارة، بما يعكس حرص الأزهر على الوصول إلى فئات مختلفة من الجمهور، بما فيها الأشخاص ذوو الإعاقة السمعية، وتعزيز حقهم في الوصول إلى المعرفة الدينية الصحيحة.
وأكد الدكتور محمد الجندي، أن المناهج التعليمية والأنشطة التربوية، على قائمة جهود الأزهر حيث تستهدف تطوير المناهج نحو 2.8 مليون طالب وطالبة، وشهدت الأنشطة تنامي ملحوظ حيث بلغ عدد المشاركين في مسابقات القرآن الكريم ضمن الأنشطة الصيفية 128 ألف متسابق، ويضم نشاط أروقة الجامع الأزهر 7112 حلقة أسبوعية للأطفال موزعة على 1149 فرعا على مستوى الجمهورية، إلى جانب 249 فرعا لأروقة الكبار.
التواصل مع الشباب
وفي ميدان التواصل المباشر مع الشباب، أوضح الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أن الأسابيع الدعوية التي انطلقت في عام ٢٠٢٤، ووصلت إلى ٢٥ جامعة مصرية، وفي طريقها إلى كل جامعات مصر الحكومية والأهلية والخاصة، تتيح مناقشة القضايا الفكرية المعاصرة وتصحيح المفاهيم وتعزيز ثقافة الحوار، بما يسهم في بناء وعي قادر على التمييز بين المعرفة الصحيحة والشبهات المضللة، كما شهد عام 2026 تنظيم أكثر من 80 ندوة مرتبطة بالفكر والسلوك، من خلال اللجان العلمية لمجمع البحوث الإسلامية ومجلة الأزهر، وبلغ عدد الندوات التي نظمها الأزهر في مدينة البعوث الإسلامية للطلاب والوافدين 3000 ندوة، وشهد التعاون بين قطاعات الأزهر الشريف إطلاق 52 مبادرة خلال عام 2026، من بينها "عقلك أمانة"، و"بناء وبصيرة"، و"نحو وعي راشد وفكر مستنير".
وأضاف الدكتور محمد الجندي، أن الأزهر في إطار دوره العالمي، يستقبل نحو 92 ألف طالب وافد من 127 دولة بمختلف المراحل الدراسية، مقارنة بنحو 35 ألف طالب وافد سابقا، بما يعكس اتساع نطاق رسالته التعليمية العالمية، كما بلغ عدد مبعوثي الأزهر الذين جرى إعدادهم وتدريبهم 741 مبعوثا.
كما يشرف الأزهر الشريف على أكثر من 30 معهدا أزهريا في آسيا وأفريقيا وأوروبا خلال عام 2026، مقارنة بنحو 14 معهدا عام 2014، فيما بلغ عدد فروع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر 19 فرعا، كما تستقبل أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثي الفتوى مئات الدعاة والأئمة سنويا من خارج مصر، لتدريبهم وتأهيلهم فكريا على منهج الوسطية والاعتدال، بما يدعم تطوير الخطاب الديني في المجتمعات المختلفة.
واختتم الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالتأكيد أن مواجهة الفكر المتطرف تتطلب فهم أسبابه النفسية والاجتماعية والسلوكية، وتكامل جهود المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية والاجتماعية لدعم الأسرة وحماية الوعي، إلى جانب تكثيف الرصد الرقمي للشبهات وتفنيدها علميا بلغة تناسب الجمهور، مشددا على أن نجاح المبادرات لا يقاس بعدد الأنشطة والمواد المنشورة، بل بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في الوعي والسلوك، من خلال متابعة النتائج وقياس الأثر، بما يضمن استدامة جهود التوعية وحماية المجتمع.

