"هي والمستحيل ".. مسلسل غيّر حياة "سناء" الصعيدية لتمحو أمية قريتها
عزبة حسن موسى الغربية، بقرية الشنويه التابعة لمركز ناصر في محافظة بني سويف، بلدة نائية، يقتصر التعليم هناك على الأولاد فقط، وكأنه حكر على الرجال دونًا عن النساء، يكتفي الاباء بتزويج بناتهم وكأن الزواج هو التربية والتعليم بعيدا عن اي مدارس.
اعتاد فتيات البلدة على تقاليد أسرهن، منصاعات لهذه الأوامر، وبين لعب الأطفال ولهوههم، جلست الطفلة سناء في أحد الأركان، ممسكة كتابا في يدها، لا تفهم منه سوى بضع صور، تلقيه بعيدا، وتركض في غضب لمنزلها، لتجد التلفاز تم ضبطه على احدى قنوات الاخبار، تجلس الفتاة في الثالثة عشر من عمرها، تشاهده لتجد انها بالكاد تشاهد صورا فقط تعجز عن قراءة شريط الأخبار حتى فتهرول إلى غرفتها في ضجر.
اعتقد الأهل أن هذا اليوم في حياة سناء مجرد يوما عابرا، إلا أنها وحدها قررت أن تثور ضد عادات وتقاليد قريتها، لتقف بمفردها أمام أسرتها المكونة من 10 افراد، 5 فتيات و5 أولاد، لتقرر في خفية استكمال تعليمها الذي حرمت منه نتيجة الفقر والجهل، اتجهت الفتاة في عمر السادس عشر، إلى تعلم الرسم على ورق البردي، وبيعه للسائحين، لتدخر نقودا ثمنا للدروس الخصوصية.
" كنت بمسك الكتاب أحس بضلمه مش فاهمه غير الصور، حسيت بجهل مقارنة باخواتي الولاد بيعرفو يقرو ويكتبو"، هكذا وصفت سناء الحالة التي عاشتها في منزل والدها، لتحقد على أخواتها المتعلمين، فجعلت والدها يعلمها الابجدية ليستكفي بذلك ويقرر ايقاف تعليمها.
لم يكن مسلسل " هي والمستحيل" للفنانة صفاء أبو السعود، مجرد تمثيلية درامية على التلفاز، تلتف الأسرة حوله يشاهدونه باستمتاع، إلا أن للطفلة سناء كان لها رأي آخر، فمن خلاله عرفت معنى فصول محو الأمية، لتقرر خوض رحلة جديدة عليها، ليكون ملهمها الوحيد هو المسلسل التلفزيوني.
مشوار قررت "سناء محمد كامل" خوضه، لتواجه العوائق امامها، بداية من قرار اسرتها تزويجها من ابن خالتها، وهي في السادسة عشر من عمرها، إلا أنه كان نعم الداعم والمشجع لرحلتها التعليمية، فأصبحت سناء تستذكر دروسها صباحا، وتعمل على ورق البردي ليلا، وبعد خطبتها اصرت على التعليم، ولكن واجهت صعوبة في جمع الأموال.
صدام واجهته سناء مع والدتها قائلة :" أمي قالتلي تعليم ايه، اتجوزي وخليكي في بيتك وجهزي نفسك بالفلوس دي"، لتجد الشابة نفسها مسئولة عن تكاليف زواج وتعليم، فالتحقت بأحد مكاتب المحامين بالقرية، تعمل كمساعدة له لجمع الاموال، لتصبح بمثابة النحلة التي تدور في الحقل بكل نشاط، تذهب للعمل وترسم البردي وتستذكر دروسها واخيرا تجهز لزواجها، لتحصل على شهادتي الاعدادية والثانوية.
مشوار طويل قطعته سناء،لم يمنعها الزواج من استكمال حلمها، رحلة بدأتها منذ عام 1997 لتنتهي عام 2011، لتتوج أخيرا ببكالريوس الحقوق جامعة بني سويف، بدأت في الدراسات العليان ليتم تعيينها في المركز امام قريتها تكون فخرا لأسرتها و أطفالها، لتقوم بعدها بفتح فصول محو أمية لنساء القرية وتعليمهم القراءة والكتابه ومساعدتهم لاكمال تعليمهم.
وبعد هذه السنوات قطعت سناء مئات الكيلومترات من بني سويف للقاهرة، لتتكرم وهي في العقد الرابع من عمرها، في المنتدى السنوي الثالث للمبادرة العربية للتمكين الاجتماعي والاقتصادي للمتحررات من الأمية، تحت عنوان "تعليم الكبار والتعلم مدى الحياة في الصحافة المصرية"، والذي نظمته جمعية المرأة والمجتمع وهيئة تعليم الكبار ومحو الأمية، بكل فخر برفقة زوجها وطفلتها ليتوجان بدرع رحلتهما التعليمية.