"عندما يسكن المهرج قصراً فإنه لا يصبح ملكاً، بل القصر هو الذي يصبح سيركاً". حكمة تركية بليغة ، لم تصغ لتحفظ في قلب كتب التاريخ، بل كتبت لتعيد تفسير ما نعيشه اليوم؛ تلك الحالة الفريدة التي لا ترتفع فيها الشخصية لمستوى هيبة المنصب، بل تسحب المنصب كله إلى دائرة الصخب، وفقدان الوقار، ليصبح العالم كله ومصائره معلقين “على كف عفريت.”
في لقائه ببرنامج "تاون هول" على شاشة "فوكس نيوز"، لم يظهر دونالد ترامب كرجل دولة رصين، بل ظهر كبطل "مونولوج" نرجسي، يتحدث عن تعقيدات الصراع في المنطقة وعن إيران بأسلوب يعكس استخفافا بمصائر البشر، وكأن العالم مجرد حجر شطرنج في ناد للقمار يديره بـ "مزاجه" الخاص .
من يراقب ترامب بعدسات التحليل النفسي، يرى بصمات "برج الجوزاء" — مع الاعتذار لأصحابه — ففي حالته نرى وجوها متناقضة تتبدل في أجزاء من الثانية، وكأن "ركبه عفريت" ليقلب الطاولة على الجميع. وقد وصل التدني الأخلاقي في لقائه الأخير حين مارس "غزلاً رخيصاً" مع المذيعة "لورا إنجراهام" أمام الجمهور، مذكراً إياها بليلة قضاها معها في "برج ترامب"، قائلاً: "لقد كنتِ جميلة، ولكنكِ أجمل الآن"؛ في مشهد أطاح بما تبقى من هيبة المنصب.
لقد خلع ترامب ثوب رجل الدولة ليرتدي عباءة "المتحرش اللفظي" وسط ذهول المذيعة التي حاولت مواراة إحراجها بابتسامة مصطنعة تحفظ ماء وجه ووقار الجلسة.
سقط القناع تماماً؛ فمن ارتبط اسمه بفضائح "إبستين" لا يُنتظر منه وقار الملوك. هذا السلوك العبثي أحدث شرخا وانقساما في بنية المجتمع الأمريكي، تجلى في خروج الملايين بقيادة رموز مثل روبرت دي نيرو وبروس سبرينغستين، مؤكدين أن البيت الأبيض ليس خشبة مسرح للعروض الهزلية .
ولم يتوقف جنون هذا العرض عند حد إثارة الجدل، بل امتدت شظاياه لتستفز الخصوم والحلفاء معا. هذا النوع من "الأنانية السياسية" هو ما وضع علاقات بلاده على المحك مع دول كبرى ومحورية كالمملكة العربية السعودية وتركيا. لقد حاول ترامب ممارسة ضغوطه المعهودة لجر المنطقة لمنزلقات خطرة، لكنه اصطدم بوعي سياسي صلب ورؤية واضحة من قادة المنطقة، وفي مقدمتهم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذين رفضوا الانجرار خلف "هوجائية" رجل لا يفرق بين إدارة دولة عظمى وإدارة "سيرك" من الإثارة.
وهنا، برز الفارق الشاسع بين "هواة الاستعراض" و"رجال الدولة" الحقيقيين. فبينما كان ترامب غارقا في صخب سيركه، كانت القاهرة تتحرك بمسؤولية تاريخية لوقف الحرب مع إيران. لقد عكس الموقف المصري الثابت في رسائل الرئيس السيسي الواضحة، والتي ناشده فيها بضرورة حقن الدماء، حجم الخوف على استقرار العالم. كانت رسالة الرئيس بمثابة صوت العقل الرصين في زمن الجنون، وتأكيداً على أن ضرر هذه الحرب يتجاوز الحدود ليضرب أمن واستقرار العالم بما فيهم أمريكا نفسها ..
إن نهاية صاحب السيرك تبدأ حين تنطفئ الأنوار وينفض المشاهدون، ويجد نفسه وحيداً في مواجهة حقيقة أنه لم يبنِ دولة، بل أقام "عرضا مؤقتا". فهل يستوعب "سيد القصر" أن هيبة المكان تستمد من رصانة الفكر وسمو الخلق؟ وحين يسدل الستار، لن يتبقى من ضجيجه شيء، بينما تبقى القصور شامخة لا تعترف إلا بالملوك.