تمثل محطة براكة النووية في دولة الإمارات العربية المتحدة علامة فارقة في تاريخ الطاقة العربية الحديثة، فهي أول محطة نووية سلمية متكاملة في العالم العربي تدخل مرحلة التشغيل الفعلي باستخدام تكنولوجيا المفاعلات الكورية الجنوبية المتقدمة. وقد جرى الانتهاء من إنشاء وحداتها الأربع وتفعيل التشغيل التجريبي الكامل بنهاية عام 2024، لتنتج المحطة ما يقرب من ٥٦٠٠ ميجاوات من الكهرباء، إضافة إلى دعم مشروعات تحلية مياه البحر،وهو ما يجعلها أحد أهم مشروعات الأمن الاستراتيجي للطاقة والمياه في الخليج العربي.
ولم يكن الوصول العربي إلى التكنولوجيا النووية السلمية أمراً سهلاً، بل جاء بعد عقود طويلة من التفاوض والضغوط السياسية والتعقيدات الدولية، خاصة من جانب الولايات المتحدة والدول الغربية التي ظلت تنظر بحذر إلى أي مشروع نووي عربي، بينما كانت تسمح في الوقت ذاته لإسرائيل بتطوير قدراتها النووية منذ ستينيات القرن الماضي عبر مفاعل ديمونا الذي أنشئ بدعم فرنسي، حتى أصبحت إسرائيل تمتلك تفوقاً نووياً واضحاً في الشرق الأوسط، سواء في التكنولوجيا أو في قدرات الردع غير المعلنة.
وتعد مصر من أوائل الدول العربية التي دخلت المجال النووي منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عندما تم إنشاء مفاعل أنشاص البحثي وتكوين جيل كبير من العلماء والخبراء النوويين، ثم جاء المفاعل الأرجنتيني في التسعينيات ليعزز الخبرات المصرية في التطبيقات النووية السلمية. كما شهد العالم العربي بناء المفاعل العراقي اوزويراك (تموز١) في عهد الرئيس الراحل صدام حسين تم انشاء المفاعل نووي وسط سرية شديدة بتكنولوجيا فرنسية وتم الانتهاء من بناءه في منتصف السبعينيات إلا أن إسرائيل قامت بتوجيه ضربة جوية للمفاعل العراقي في عملية عسكرية شهيرة، في رسالة واضحة مفادها أن أي تفوق نووي عربي لن يكون مقبولاً بالنسبة لها.
ومن هنا يمكن فهم الحساسية الشديدة التي صاحبت نجاح الإمارات في بناء محطة براكة، لأنها تمثل بداية دخول الخليج العربي إلى عصر الطاقة النووية السلمية، بعد أن ظل هذا المجال حكراً على إسرائيل وإيران لعقود طويلة. فنجاح المشروع الإماراتي لا يقتصر فقط على إنتاج الكهرباء، بل يرمز إلى امتلاك العرب تكنولوجيا استراتيجية متقدمة يمكن أن تكون قاعدة لانطلاقة علمية وصناعية كبرى مستقبلاً.
وعلي الناحية الاخري ، تعيش منطقة الخليج حالة من القلق المتواصل بسبب تطور البرنامج النووي الإيراني، خاصة مع الدعم التقني الروسي والتقدم السريع في تخصيب اليورانيوم، الأمر الذي زاد المخاوف من اقتراب طهران من امتلاك القدرة على تصنيع قنبلة نووية. وقد تعاظمت هذه المخاوف بعد انهيار العراق كقوة إقليمية كانت تمثل لسنوات طويلة خط الدفاع الأول أمام التمدد الإيراني في المنطقة، وهو ما أوجد خللاً واضحاً في توازن القوى الاستراتيجية بالخليج العربي وبحر العرب.
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، يبرز السؤال الأهم ،من وراء استهداف المفاعل النووي الإماراتي بالمسيرات؟ وهل هي بالفعل مسيرات إيرانية، أم أن هناك أطرافاً أخرى قد تكون وراء العملية لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية أكبر في ظل الوقت الراهن الذي قد تختلط فيه ايجاد الحقيقه تماشيا مع اكتشاف قواعد اسرائيلية في أرض العراق تضرب البنية البتروليه في السعودية علي انها مسيرات إيرانية .
إن قراءة المشهد الإقليمي تشير إلى أن إسرائيل وإيران معاً قد تستفيدان من أي استهداف للمفاعل الإماراتي، وإن اختلفت الدوافع بين الطرفين. فإيران قد ترى في نجاح المشروع النووي الإماراتي بداية لتوسع عربي خليجي في المجال النووي، بما قد يقلل من تفوقها الاستراتيجي ويخلق توازناً جديداً في المنطقة. كما أن أي اضطراب أمني في الخليج قد يرسل رسالة بأن المنطقة غير مستقرة لاستقبال مشاريع نووية جديدة.
أما إسرائيل، فهي وإن كانت تعلن دعمها لبعض مسارات التطبيع والتعاون الإقليمي، إلا أنها تاريخياً لم تكن تقبل بوجود أي منافس نووي في الشرق الأوسط، حتى وإن كان تحت عنوان “الاستخدامات السلمية”. فإسرائيل تدرك أن امتلاك العرب للبنية التكنولوجية النووية، ولو سلمياً، قد يكون مستقبلاً قاعدة لتطور علمي واستراتيجي يقلل من احتكارها للتفوق النووي في المنطقة، والمثال علي تدمير اسرائيل للمفاعل النووي العراقي تموز-١ وايضاً الأصابع الخفيه التي قامت بتدمير البنية التحتية لمفاعل الضبعه وقت ثورة يناير ٢٠١١ والتي لم نعلم ظروفها حتي الان إلا ان هناك جهات تخريبية منها اسرائيل وأمريكا خططت لثورة يناير وخططت ايضا لتدمير ماتم انجازه في مشروع الضبعه وقت الرئيس السابق مبارك .
ولهذا فإن فرضية وجود أطراف خفية أو عمليات استخباراتية معقدة تبقى مطروحة بقوة، خاصة في ظل الحرب غير المباشرة التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وما تشهده المنطقة من صراع استخباراتي واسع يعتمد على الطائرات المسيرة والحروب الإلكترونية والعمليات غير المعلنة. فمثل هذه العمليات قد تنفذ بطرق تجعل تحديد المسؤول الحقيقي أمراً بالغ الصعوبة، وهو ما يفتح الباب أمام توظيف سياسي وإعلامي واسع للأحداث.
لقد بدأت منطقة الشرق الأوسط فعلياً سباقاً نووياً منذ عقود، بدأ مع إسرائيل ثم إيران، وها هي الإمارات تدخل هذا المسار من بوابة الاستخدامات السلمية. ولذلك فإن استهداف محطة براكة — إن ثبتت صحته — لا يمكن النظر إليه كحادث أمني عابر، بل باعتباره رسالة استراتيجية تتجاوز حدود الإمارات إلى مجمل الأمن العربي.
ومن هنا تصبح حماية المفاعل النووي الإماراتي مسؤولية عربية مشتركة، وليس مسؤولية إماراتية فقط. فالمطلوب اليوم هو توفير أحدث أنظمة الدفاع الجوي والرصد الإلكتروني والحماية السيبرانية، إضافة إلى بناء منظومة إنذار مبكر قادرة على مواجهة تهديدات الطائرات المسيرة والصواريخ الذكية. لأن أي استهداف مباشر للمفاعل قد يؤدي إلى كارثة إشعاعية تهدد دول الخليج والمنطقة بأكملها.
إن محطة براكة ليست مجرد مشروع كهرباء، بل هي رمز لقدرة العرب على دخول عصر التكنولوجيا النووية المتقدمة. ولهذا فإن الحفاظ عليها وتأمينها يمثل حماية لمستقبل عربي علمي واستراتيجي يجب ألا يبقى رهينة لصراعات القوى الإقليمية والدولية ...والي تكمله قادمة